كتاب وشعراء

تحدي العشر سنوات….بقلم / سحر عبدالقوي يونس 

في تحدي العشر سنوات بدت أكثر النساء أنحف، أجمل، أصغر، منطلقات المظهر، متخلصات من عقبات هلامية لا توضع في طريق أحد غير بنات المجتمعات الشرقية مثل الزّي أو الحصول على الطلاق أو الحصول على الاستقلال المادي أو النفسي أو التحقق الوظيفي. كل الصور بدت مدهشة، بدت النساء وكأنهن سبَحن عكس تيار الزمن. تحدي العشر سنوات أظهر أن هناك ثورة صامتة في مجتمعات النساء. ولنسميها ثورة حق اتخاذ القرار. أبسط القرارات لم تكن النساء تملكها، وهي قرار اختيار مظهرها وهي خارجة من باب بيتها فيتحكم فيه القاص والدانِ وتصبح اختياراتها مشاع كل يدلو بدلوه فيه بجدلية تعجبه. وكأن السيطرة على البسيط الهيّن ينسحب على الكبير العظيم: فمن لا تملك تقرير كيف ستبدو لن تستطيع تقرير كيف ستقترن بشريك، وبمن ستقترن، ولن تستطيع تقرير فسخ علاقة ضارة مريضة، ولن تستطيع حماية لا نفسها ولا بناتها ولا أولادها من سطوة المجتمع الأبوي، ولن تستطيع التفكر في العقيدة التي بموجبها يمارس هذا المجتمع تسلطه الأبوي لتساءل عن ماهية هذه العقيدة وتتدبر دون أن تتخذها مجرد إرث ثقيل ينوء بحمله أكتاف بنات حواء في هذه البقعة الحزينة من العالم.

في تحدي العشر سنوات مارست النساء حقها في التفكير والتفكر كإنسان حُر، حق الممارسة الفعلية لمجريات العالم الخارجي بكل معتركه الصاخب، حق اقتراف الخطأ، حق التردد، حق البقاء أو الرحيل، حق الحب وحق الرحيل.

 لكن لا اظن أننا أسعد. الواقعية مؤلمة جدا ومعترك العالم صخبه يوهن الروح. كم مرة ونحن بصدد المحاولة سقطنا والتوت أقدام المنطق تحتنا وأكملنا المسير ونحن نتوكأ على صديق، أو صديقة، أو حبيب والمحظوظون منا من بقي لها داعم من اهلها. كم مرة خُذلنا؟ كم مرة بكينا بحرقة في مخادعنا وعندما حل النهار ارتدينا مكياجنا ومضينا وكأننا لا نكترث؟

نحن أجمل، وأنحف، وأقوي، وانجح لكن كثيرين منا مثخنات بالجراح. كم مخاض اعتصرنا رحمه؟ وكم يد عبثت في صلصال شخصياتنا بغية إعادة تشكيله ليتوائم مع واقعنا المُدرك الذي تم تغييبنا عنه. أكثرنا مستقرات ماديا بعد رحلة عمل طويلة، لكن دون احساس حقيقي بالأمان. عن نفسي ونفسي فقط: أشعر أن في العشر سنوات الخالية كبرت فيها من الطفولة للنضج دون المرور بمراحل بينية. عن نفسي: أظن أن المجتمع يحافظ على طفولة الفتاة عامدا كي لا تستطيع المواجهة أبدا وتبقي قاصرا ذهنيا وشخصيا. أشعر أن الفتيات في عالمنا لا ينضجن بل يكبرن. نحن لم نزاول مراهقتنا ولا صبانا. ربما جمعنا كل المراحل وكدسناها في العشر سنوات الممتدة من أوائل العشرينيات حتي بدايات الثلاثين. المجتمع يريدنا قاصرات ذهنيا وشخصيا دائما وأبدا. ربما هذا الوجع الخفي في الروح مرده أننا (أو أنني) وثبت، قفزت، ركضت بعدما كنت أحبو. وربما مرده أن الحياة قاسية فعلا ونحن كنا مغيبات عن واقعها الذي اكتسب السمت الذكوري وهو الكدح من أجل الذات فعلا وليس علي سبيل الوجاهة أو المنظرة أو استعراض سلعة لتجد لها مشترِ مناسب.

في تحدي العشر سنوات نحن دخلنا تحدي الحياة بوجهها الواقعي ونزعنا عنها كل قناع. وأدركنا أن الحياة ليست عادلة، وأن الحظ هو اللاعب الأساسي، وأن المثل العليا والمباديء كلمات يتشدق بها المدعون، وأن من يسميهم المجتمع بالمتدينين في عالمنا هم اكثر الناس عرضة لتوجيه طعنات للآخرين وأكثر الناس ممن تتوقع منهم الخسة والدناءة، وأن أكثرهم لا يعرف كيف يتسق مع نفسه، وأن الشهادات العليا والوظائف المبهرة لا تجعل من صاحبها إنسان إلا لو كان في داخله إنسان من البداية، ستدرك أن الناس قد يبدو بعيدين تماما عن أي قيمة ينادون بها وهناك بون شاسع بين مايريده المرء وما يستطيع ادراكه، وما يستطيع أن يثبت أمامه في امتحانات الحياة دون أن يسقط، وأن النفوس البشرية بحر متلاطم لا تتنبأ بعواصفه نشرة جوية، وأغلبنا أدرك في النهاية أننا نحيا وسط قوم يدعون السلام وهم في حالة حرب دائمة معلنة أو خفية على كل مختلف معهم، عالم تقوده عواطفه وميوله لا عقلانية تحكمه ولا ضمير….

نحن أقوي وأجمل وأنجح ولكن…. لكل شيء ثمن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى