الجمعة , فبراير 26 2021

الكاتبة المصرية هدى فؤاد تكتب… طائر الليل الأبيض / قصة قصيرة

قصة قصيرة …
طائر الليل الأبيض …
بقلم الكاتبة / هدى فؤاد
البلد / مصر

لم يعد يدرى شريف أن ما يراه كابوس في الليل أم حقيقة ، اعتاد أن يأكل بكثرة فى الليل ، يزعم أن ما يراه فى الليل سببه الطعام المسبك ، ووجبة الباذنجان الأسود المعتادة ، يذهب إلى عمله في الصباح ، في محل الانتيكات والتماثيل ، يشرب فنجان قهوته السوداء وطعم المر في فمه لا يختلف عن طعم حياته فى الواقع ، وحيد … حتى أنه يجلس وسط التماثيل يشكو لها ما يراه في حياته … يبكي ويضحك كالمجنون الذي فقد عقله ، يدفن يومه بالبيع والشراء حتى منتصف الليل ، يعود إلى سريره بعد رحلة شقاء ، يتذكر ما حدث فى يومه ، يسرح بخياله مع امرأة تسأله ثم تختفي ، يدس عينيه فى هاتفه الصامت مثل لسان حاله ، يذوب في حلمه ، تأتيه فتاة على هيئة طائر أبيض ، يضم جناحيه وتظهر الفتاة البيضاء تنظر إليه ، تتحدث لغة غير مفهومة ، تبكي لساعات طويلة وهو مكبل اليدين ، يواسي قلبها لكنها تبدو صماء ، تنظر إليه مبتسمة ثم تطير بعيداً ، تختفي من حلمه عدة أيام ثم تعاود الظهور بنفس الأنين ، يعاني من الحنين إلى ذلك الوجه البريء والعيون الحالمة ، يحتضن نومه حتى يراها ، يستيقظ على تلك الابتسامة يبحث عنها في زوايا المنزل لكنها بلا أثر ، لا يصدق ثيابها من الريش ، مثل اللؤلؤ المرصوص بعناية ، إنها تفهمه … تساير خطى حلمه ، تقترب وتبتعد ، يأخذه الشوق إليها إلى قصر من خيال ، يراها ملكة على عرش مرصع بالماس … إنها تنقله إلى عالمها في غمضة عين ، ربما تريد أن يحررها من الوحدة ، الحزن ، الخوف ، رسائل خفية ، تلوح له فى الأفق ، طلاسم سحرية ، يزيح الستار عن السحر الأسود الذي في قلبه ، تناثرت حروف الألم صامتة ، مهما صرخت بداخله لن يستغيث ويطلب العون ، ولن يكابر في نزول قطرات دمعه كالسيول التي نزلت على أرض قاحلة وغرق فيها الأمل ، لم يكن يتخيل أن يدمن الوهم ، أن تسير في وريده ويصبح ذليلاً لحلم صار يطارده في الصباح والليل …. تخلى عن قهوته المسائية ، ينام وهو يحتضن الشوق إليها ، جاءته باكية ، سقطت دمعة ساخنة من عيونها وقالت له :
_ أعلم حقيقتك الزائفة ، بينما أنت تتلون بألبوم الصور … داعياً للنسيان ، أرتدي ثوب الكبرياء ، ونحن على أرض الواقع غرباء .
و لسان حاله يجبره على الصمت ، يقتل ما تبقى من مشاعر تحيط بها هالة من الحزن الأسود الذي لا شفاء منه ، غاضبة منه ، ينتفض جسدها خائفاً ، تنكسر أجنحتها عنوة ، يصرخ قلبها من بطشه ، حتى رأته جحيماً لا يطاق ، اندلعت النيران من فوهة الألم ، كالجرح الذي انفتحت خيوطه ، أكلته النيران وقد استسلم لها ، لم يقاوم ، رأى الموت زاحفاً إليه ، ظل راقداً في سريره ، فتح عينيه ببطء شديد ، نظر حوله ولم يفهم … ضحكت الممرضة قائلة :
_ حمد الله على السلامة .
فهم منها أنه يرقد في العناية المركزة شهراً كاملاً ، دخل في غيبوبة بسبب الاختناق من حريق الشقة ، لقد قام بحرق الشقة بداعي الانتحار ، جاءت شهادة الجيران بصراخه ليلاً بلا سبب ، ولولا استياء بعض الجيران وإبلاغ الشرطة التى حضرت وأخمدت الحريق في الوقت المناسب قبل أن تأكله النيران مع محتويات الشقة ، ثم قال القدر كلمته وبقي على قيد الحياة ، واحترق قلبه قبل جسده النحيل .
قامت الشرطة باستجوابه عن الحادثة ، لكنه التزم الصمت ، حتى وجد نفسه على سرير آخر في مصحة نفسية ، حبيس جدران حجرة صغيرة ، ممنوع من مغادرتها ، يزوره ممرض يشبه الفرعون ، لديه نظرة حادة ، تثقب جدار روحه المتعبة ، يرتعد ثم ينكمش في سريره مستسلماً للمهدئات وأحلامه التي لم تنقطع رغم الأدوية وجلسات العلاج ، ينتظر عصفورة الليل البيضاء ، تطل عليه من نافذة قلبه ، وتصبح حقيقة في عالمه الخاص .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: