السبت , مارس 6 2021

الناقد ناجي نعسان آغا يكتب … تأملات قرائية في قصيدة ( أنا اللغة العظيمة) للشاعر السوري ياسر محمود الأقرع

تأملات قرائية في قصيدة ( أنا اللغة العظيمة )
للشاعر ياسر محمود الأقرع

بقلم ناجي نعسان آغا

عندما يجف ينبوعي وينضب ماؤه ، ألجأ إلى فرات أصدقائي أرشف منه ، فيشدني ويأسرني ، وأستصغر مائي الذي كنت أحسبه سلسبيلاً ، أتنقل بين ينابيع اللغة لأنهل من عذب مياهها فأقف عند أحدها فأشرب وأشرب وأواصل الشرب فلا أزداد إلا عطشاً .
سأقف اليوم عند مياه صديقي
ياسر محمود الأقرع ابن حمص الأبية .
التقيته يوماً ،عندما كان يغرّد خارج السرب منفرداً ، في يوم رائع ماتع جميل من أيام عمّان ، وفي أمسية من الأماسي الرائعة ، في منتدى البيت العربي الثقافي ، في تلك الأمسية غرّد ياسر بقصائد عدة ، وكنت حينها أغمض عينيّ خشية أن تتفلت مني بعض الصور والأخيلة لأعيش في نشوة ما أسمع ، ففنّ الإلقاء موهبة أضيفت إلى موهبته الشعرية ، وقلت له حينها : إن فن الإلقاء فن لا يسطيعه الكثير من البشر إنه فن التأثير في المتلقي عن طريق الكلمة المعبرة المسموعة ، لقد امتلك شاعرنا اللغة الفصيحة ، مع نبرات صوت وعذوبة أداء ، وصدق انفعال ، وعفوية ، وبذلك استطاع أن يمتلك قلوب مستمعيه ويأسرهم ، بل ويسكرهم بتلك النشوة التي تأخذهم إلى فردوس من الحب والجمال .
واليوم أقف عند رائعة من روائع شاعرنا أرشف من جمال نسغها ما أستطيع محاولاً تسليط الضوء على مواطن الجمال فيها .
إنها قصيدته :

” أنا اللغة العظيمة “

تداعى الشِّعرُ واشتكتِ الطلولُ
وفي الصَّحراءِ أُرهِقَـتِ الخيولُ
فــلا نـصـرٌ نـؤرِّخـه… فنسـمو
ولا رَكْـبٌ.. يسـيـرُ بمـا نقـولُ
أنـاخَ الجهــلُ قـافلـةَ القـوافــي
كـأنَّ الجـهلَ عاصفـةٌ تصـولُ
فأين منابـرُ الشعرِ..؟ استقالت
ومَلَّ الوحيُ.. وانتحرَ الفحولُ
وفـي التَّاريـخِ مازلنا.. ولكـنْ
كـأنَّا فــي هــوامشـهِ قليـلُ
وكـادَ الـدَّهــرُ ينثـرُنا رمــاداً
فلا رُجعى تكونُ.. ولا وصولُ
وكاد الغيبُ يمضَغُنا.. فنبلى
ويجثـمُ فـوقَـنا مــوتٌ ثقيـلُ
فنادانا مِـنَ الأصداءِ صـوتٌ
لـهُ فـي كـلِّ خافقـةٍ رحيـلُ:
أنا اللُّغةُ العظيمةُ.. لستُ أفنى
أنا العربيَّةُ.. الصَّرْحُ الجليلُ
أنا السِّـرُّ المُحَيِّـرُ فـي بيانـي
أنا الإدهـاشُ.. والألقُ النبيلُ
أنا الإعجـازُ.. ذروتُـه بِكَفِّي
وحارتْ في تَصَوُّرِهِ العقولُ
يهابُ عوالمي صَبٌّ.. ويدنو
فتأسِرُه… ويذبحُهُ الفضـولُ
فيبحرُ في فضاءاتي.. فيغدو
لـهُ فـي كـلِّ فاصلـةٍ ذهــولُ
فيَخْضَـرُّ اليـبـاسُ بمقلـتيـهِ
ويُثْمِرُ فـي صحاريهِ النَّخيلُ
كـأنَّ فــؤادَهُ أضحـى فُـراتاً
وروَّى لهفةً في الروحِ.. نيلُ
أنا اللُّغـةُ التـي أُورِثْـتُـموهـا
معتَّقَةً… وَلِـيْ وَجَـعٌ يطـولُ
مـلأتـمْ جُعبةَ التَّنظيرِ سُخْفـاً
ومِلْتُـم حـيثُ رؤياكـمْ تَميـلُ
وكـنتُ دليلَكـم فـي كـلِّ فَـجٍّ
فكيفَ يضيعُ من يَدِكُمْ دليلُ؟
تصحَّرتُمْ علـى أهدابِ حُلْـمٍ
وفـي عينيَّ تنتظـرُ الحقـولُ
تنكَّـرتمْ.. لـذا أوصدتُ بابي
فمـا مثلي أنـا مَـنْ يسـتميـلُ
أنا فـي العِـزِّ دانيـةٌ قِطافـي
فـإنْ هُنْتُمْ فـإنِّـي المستحيـلُ
خُلِقْتُ أزاحِمُ النَّجْماتِ كِبْراً
أيملكُ قيدَ ناصيتي الذَّليلُ..؟
أنا التَّاريـخُ تصنعُه حروفي
أنا الصوتُ المجلجِلُ والصَّهيلُ
أنـا العـربيَّــةُ.. اللُّغـةُ الثُّريَّا
ولي في الكونِ مجدٌ لا يزولُ
كــتابُ اللهِ شـرَّفنـي بِـوَحْـيٍ
ودَثَّـرنـي بِبُـردتـهِ الـرسـولُ

يحاول شاعرنا من خلال خمسة وعشرين بيتاً من البحر الوافر الحزين أن يعرض حالنا ، فحال اللغة اليوم شبيه بأحوالنا نحن ، نعم فاللغة هُوُيّة ومن عزت لغته عزّ ومن ذلت لغته ذل ، ونحن العرب أغصان في تلك الشجرة ، إن اقتلعت ننكسر ، وإن ذلت نُذل ونهان ،
ولأجل ذلك تداعى الشعر – واشتكت الطلول – وانتحر الفحول – وكاد الغيب يمضغنا .
ولعل شاعرنا هنا يبكي حالنا من خلال هذا النص الذي نسجه بدموع عينيه ، لندرك حجم المأساة التي نحن فيها ، ولنبكي على أنفسنا قبل أن نبكي على لغتنا فشاعرنا هنا في حالة حزن ، والحزن مستمر يمثله حرف اللام المضمومة في روي النص ، وعلى امتداد كلمات القصيدة ، ذلك الحرف الذي كرره مراراً ليشي بحالة التوتر الداخلي الذي يعيشه ، إضافة إلى قيمته الإيقاعيةوالموسيقية كأداة من أدوات الجمال في النص ، فناسب الغرض البحر بموسيقاه الداخلية والخارجية التي يعجّ بها النص ، وكأني به يدعونا للبكاء معه فيقول ( قفا نبك ) .
لقد أجاد شاعرنا الرسم بالكلمات من خلال خطوط الصورة الكلية والجزئية ، فرسم واقعنا من خلال رسمه لواقع اللغة وأصحابها فلا انتصارات نحققها لنعيد مجدنا التليد ، وليس لنا كلمة مسموعة يسير بها الركب ، فلقد عمّ الجهل ، فلا شعر ولا شعراء ، ولا أسواق للشعر ، فالفحول انتحروا ، ومنابر الشعر استقالت .

تداعى الشِّعرُ واشتكتِ الطلولُ
وفي الصَّحراءِ أُرهِقَـتِ الخيولُ
فــلا نـصـرٌ نـؤرِّخـه… فنسـمو
ولا رَكْـبٌ.. يسـيـرُ بمـا نقـولُ
أنـاخَ الجهــلُ قـافلـةَ القـوافــي
كـأنَّ الجـهلَ عاصفـةٌ تصـولُ
فأين منابـرُ الشعرِ..؟ استقالت
ومَلَّ الوحيُ.. وانتحرَ الفحولُ

انظر إليه كيف أجاد استخدام التصريع حينما قال :
تداعى الشعر واشتكت الطلول
وفي الصحراء أرهقت الخيول

ليدخلنا بذلك إلى موسيقا نصه ببراعة مع تكثيف الصور البيانية ، فنجد ثلاث صور في البيت الواحد جمعت بين الصوت واللون والحركة ،
تلك الموسيقا التي أحسبها جاءت عفو الخاطر من خلال التفعيلات
( مفاعلتن مفاعلتن فعولن ) ، ومن خلال براعة انتقاء الكلمات من مثل ( تداعى – اشتكت – أناخ الجهل – مل الوحي – انتحر الفحول – كاد الدهر ينثرنا – كاد الغيب يمضغنا – فناداه من الأصداء صوت …. )

أنـاخَ الجهــلُ قـافلـةَ القـوافــي
كـأنَّ الجـهلَ عاصفـةٌ تصـولُ

ثم انظر إلى تلك الصورة البديعة في هذا البيت حيث جعل الجهل قائد تلك المرحلة وهو المتحكم بالقافلة أناخها رغماً عنها بل هو كالعاصفة يحيط بها من كل اتجاه ،
ثم يتساءل شاعرنا أين منابر الشعر وأين أسواقه هل هجرها الشعراء أم انتحروا ، وبقينا على هامش التاريخ وأوشك الدهر أن يجعلنا دون قيمة ولا وزن فلا أمل في تحقيق مرادنا ، وكدنا أن نكون بلا اسم ولا عنوان .

وفـي التَّاريـخِ مازلنا.. ولكـنْ
كـأنَّا فــي هــوامشـهِ قليـلُ
وكـادَ الـدَّهــرُ ينثـرُنا رمــاداً
فلا رُجعى تكونُ.. ولا وصولُ
وكاد الغيبُ يمضَغُنا.. فنبلى
ويجثـمُ فـوقَـنا مــوتٌ ثقيـلُ

وعندما يبدأ في الغوص إلى أعماق مأساتنا نكاد نغرق معه لولا أنه ينتشلنا في الوحدة الثانية من النص عندما تنطق اللغة ، ويُسمَع صوتها من كل مكان وفي كل اتجاه ،
ويعلو صوتها وتصرخ في وجه أبنائها ” أنا العربية – أنا السر – أنا الإدهاش – أنا الألق – أنا الإعجاز – أنا الصرح …… فينقلب الصوت العاجز الحزين إلى صوت فيه من الفخار والعزة ما فيه ، فينقلب العجز إلى إعجاز وإدهاش وألق وهيبة وذهول ، فيخضر اليباس ، ويثمر النخيل في الصحاري ، ويرتوي كل عطشان ،
أنا اللغة العظيمة لست أفنى
أنا العربية الصرح الجليل
أنا السر المحير في بياني
أنا الإدهاش والألق النبيل
أنا الإعجاز ذروته بكفي
وحارت في تصوره العقول

إلى أن يقول :
فيخضر اليباس بمقلتيه
ويثمر في صحاريه النخيل

لكن اللغة تعتب على أبنائها وتلومهم على تقصيرهم بحقها ، وتنكرهم لها فكانت النتيجة أنها أوصدت أبوابها في وجوههم :

تنكرتم لذا أوصدت بابي
فما مثلي أنا من يستميل

فإذا هنتم فأنا لا أهان ، أنا في الأعالي دائماً أزاحم النجوم ولا يصل إليّ الأذلاء ، فأنا الثريا ومجدي لا يزول ،
يكفيني عزاً وفخراً أن القرآن نزل بحروفي العربية ونطق بحروفي خير البشر الذي أعطي فواتح الكلم وخواتمه .

أنا فـي العِـزِّ دانيـةٌ قِطافـي
فـإنْ هُنْتُمْ فـإنِّـي المستحيـلُ
خُلِقْتُ أزاحِمُ النَّجْماتِ كِبْراً
أيملكُ قيدَ ناصيتي الذَّليلُ..؟
أنا التَّاريـخُ تصنعُه حروفي
أنا الصوتُ المجلجِلُ والصَّهيلُ
أنـا العـربيَّــةُ.. اللُّغـةُ الثُّريَّا
ولي في الكونِ مجدٌ لا يزولُ
كــتابُ اللهِ شـرَّفنـي بِـوَحْـيٍ
ودَثَّـرنـي بِبُـردتـهِ الـرسـولُ

ختاماً :
وجدت نفسي أيها الأحباب أمام نص مزدحم بالخيال الخصب المليء بالتشبيهات والاستعارات والكنايات فلا تكاد تنتهي من صورة إلا وتنقلك إلى صورة أخرى ، فها هو الشعر يتداعى ، والطلول تشتكي ، والجهل يُنيخ قافلة القوافي ، والجهل عاصفة ، والدهر ينثرنا رماداً ، وكاد الغيب يمضغنا ، أنا العربية ، أنا السر ، أنا الإدهاش ، يذبحه الفضول ، يخضرّ اليباس ، تصحرتم ، أوصدت بابي ، أزاحم النجمات ، أنا التاريخ ، أنا الصوت المجلجل ، أنا اللغة الثريا ، …… وغيرها الكثير .
هذه الصور كلها مطبوعة بطابع القوة توائم الموقف العاطفي ، جاءت عفو الخاطر ، خالية من الصناعة .
أما المحسنات فقد جاءت عرضاً لما يتطلبه المقام ، فلم يكثر منها الشاعر ،
والألفاظ كانت سلسة مستساغة ، خالية من التنافر قليلة الغريب ، تناسب المدلول تدل على العاطفة بنبرتها وموسيقاها ،
فقد كان شاعرنا موفقاً في عرض معانيه بما أوتي من ثقافة وفصاحة لسان وذخيرة لغوية كبيرة ، لذا استطاع أن يشركنا معه في شعوره وآلامه وآماله .
بأسلوب يضاهي أساليب فحول الشعراء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: