الثلاثاء , مارس 2 2021

الفنانة التشكيلية أميرة عبدالعزيز تكتب : قوانين الفن في الشرق القديم

 

كانت تستهوي فكرة الحياة الأخرى على فكر الشعب المصري القديم أكثر من أى شعب أخر،،،
وذلك بسبب طبيعة المصرى القديم وكثرة تأمله فيما حوله من ظواهر طبيعية..
مثل شروق الشمس كأنها تولد، وغروبها كأنها تموت ثم تعود فى اليوم التالي تشرق مرة أخرى ثم تعود وهكذا..، والفيضان الذى كان يجئ مرة واحدة فى العام  فينخفض منسوب النيل الذي شبهوه كأنه إنسان قارب على الموت،  وفي العام التالي يحمل الفيضان معه السمك والطمى الخصب ” لتعود الحياة مرة أخرى “

ومن هذه الظواهر ونتيجة لتأملات المصرى القديم  ظهرت فكرة الخلود ولكن كان يجب الحفاظ على الجسد لتهتدى إليه الروح
بعد الموت ليحيا حياة أبدية.

لقد كانت الحكومات البيروقراطية تكافح بكل طاقاتها في سبيل الإحتفاظ بسلطتها على الوقوف في وجه حرية الفنان والعمل على كبت أي إتجاه جديد يرنو إلى التلقائية في طريقة التعبير وذلك من أجل الإحتفاظ بهيبتها وسلطتها، كما أن ظروف الحياة الخاصة في المدينة الحضرية واختلاف وتمايز وتعدد الطبقات الإجتماعية وتحرر التجارة والتخصص في الحرف اليدوية.. كل ذلك أسهم في نشر النزعة الفردية بصورة تكاد تكون أقرب إلى الطابع المباشر بعد أن كان التصوير والنحت في عصر ما قبل الأسرات الأول يسوده نوع من الحرية في الشكل والمضمون أو الموضوع، لم يحدث أن وُجِدَ فيما بعد بمثل هذه القوة التي كان عليها في تلك الحقبة من الزمن إلا في أيام ” أمنحوتب الرابع “، ..

فنجد في المتحف المصري تمثال ( ” شيخ البلد، وهو لرجل إسمه في الأصل كاعبر- الذي كان يعمل كاهناً مرتلاً، يتولى قراءة الصلوات للمتوفي في المعابد الجنائزية، والتمثال من أروع تماثيل الأفراد في الدولة القديمة، وقد شُكِلت ذراعاه مستقلتين، ثم أُلحِقتا بعد ذلك بالجسم، وذلك اسلوب إتُبِعَ كثيراً في التماثيل الخشبية، وقد دُعِمت الذراع اليسرى وكانت من قطعتين ومتواصلتين بعصا من خشب، أما العينان فهما مطعمتان حيثُ صُنِعَ الجفن من نُحاس وكوارتز أبيض، والقرنية من بللور صخري، وقد أطلق عالم الحفائرالفرنسي أوجست مارييت اسم شيخ البلد على ذلك التمثال الرائع لشبهه بشيخ بلدهم ” )، وتمثال ( ” الكاتب الجالس القرفصاء، حيث كانت للكتبة دور في الحياة الفكرية والثقافية، والفنان كان ماهراً بدرجة كبيرة لتفريغ ما بين جسد الكاتب وذراعيه، كما أظهر على ملامحه الوقار والهدوء الذي كان يتمتع به الكاتب آنذاك، وواضح البراعة في إبراز التفاصيل من خلال النظر إلى خلفية التمثال” )، عند النظر إليهم يعطي لك انطباعاً ممزوجاً بالحيوية والنضارة قلما تجد له نظيراً إلا عندما حدثت ثورة ثقافية عامة في عصر إخناتون ” أمنحوتب الرابع “.

تمثال شيخ البلد – منحوت من خشب الجميز- إرتفاعه  112cm، الدولة القديمة، الأسرة الخامسة، موقع الإكتشاف جبانة سقارة

الموقع الحالي المتحف المصري

تمثال الكاتب المصري ” الكاتب الجالس القرفصاء ” – الدولة القديمة، الأسرة الخامسة 2465-2323 ق.م

المتحف المصري

ولعل من أبرز سمات المبادئ الشكلية والتي تُعتبر من أهم القواعد والقوانين في الفن الشرقي القديم وبالأخص في ” الفن المصري ” تلك السمات الخاصة بتصوير الشكل الإنساني ، إنه المبدأ الذي يهتم بكيفية تصوير الهيئة البشرية، ألا وهو مبدأ – المواجهة Frontality – وبإمكاننا أن نُطلق عليه مسمى ” فن المواجهة ” لأنه بالفعل فن يُقصد به الفنان المصري تصوير الهيئة البشرية بمبدأ أو بأسلوب المواجهة، وهو تعبير عن علاقة محددة مباشرة بالمشاهد، ويُعتَبر أسلوب المواجهة بمثابة قانون خاص بتصوير الشكل الإنساني، ذلك القانون الذي يتحتم بمقتضاه أن يكون الجزء الأعلى من الجسم ” الصدر بأكمله ” متجهاً للمشاهد في أي وضع يُصَور منه الجسم محاولاً أن يتصل مباشرة بالذات التي تتلقى العمل الفني.

إن هذا الفن يحترم الجمهور ويطالب الجمهور بإحترامه، والإتصال والمواجهة بالجمهور إنما هو فعل من أفعال الإحترام والمجاملة واللياقة الذي يحرص على إضفاء الشهرة والمديح ونستطيع أن نخص به الملوك، والفنان الذي كان يقوم بالعمل الفني يعمل على إرضاء السيد واحترامه والذي كان بدوره يطالب الجمهور بإحترامه لأنه وكما ذكرنا سابقاً أنه فن يحترم نفسه، بعكس فن العصر الحجري القديم الذي لم يكن الجمهور يُعار فيه أي نوع من الإهتمام فلم تكن المواجهة معروفة في هذا العصر في هذا العصر ولم يكن الطابع الإيهامي Illusionism  لهذا الفن إلا صورة من صور تجاهله للمشاهد فتؤثر فيه ألوان الخداع المصطنع الذي يندرج تحت مسمى الإيهام.

تظهر في الفن المصري مجموعة من القواعد الأخرى وإن كانت أقل وضوحاً من قاعدة المواجهة Frontality  ، ولكنها تعبر عن الطابع التقليدي لمعظم المبادئ التي تتحكم في هذا الفن، ومن أهم هذه القواعد ” أن تكون الرجل متحركة والذراع ممتدة ” وهي قاعدة يكون الحكمة منها هو عدم حدوث تداخل يُوحي بالإضطراب لدى المتلقي، وهناك قاعدة أخرى تقول أنه ينبغي أن تكون أرجل الإنسان مرسومة جانباً على الدوام، وعندما تنظر إليها فإنك ترى إبهام إصبع القدم، ودائماً يكون الجانب الأيمن هو الذي يواجه المتلقي أو المشاهد، وهذه القواعد كانت تُراعى بين الطبقات الأرستقراطية والإقطاعية وطبقة البلاط الملكي والكهنة في عصر المملكة الوسطى، بينما ظلت الطبقة البيروقراطية العليا منعزلة عن الطبقة الوسطى إلى أن حدث تغير جذري بعد غزو الهكسوس على مصر فأصبحت بعده منعزلة على نفسها وبدأت تحافظ على تراثها وازدهرت ثقافياً ومادياً، إلى أن شَعُرت بأهمية إنفتاحها فنياً وثقافياً على كل الأقاليم المجاورة لها وامتد نفوذ الفن المصري إلى خارج حدوده وعالمه الخاص.

لقد آمنَ المصري القديم بفكرة البعث والخلود ووجود عالم آخر، وعبر عن هذه الفكرة الفنان المصري فكان يُحاول جاهداً التعبير عن الصورة الشخصية للإنسان بحيث تُماثِل شكله الحقيقي المشابه الذي كان عليه في حياته قبل الموت، وكانت الروح هي الحارسة للميت ويُطلق عليها إسم ” كا Ka  ” وكان يعتقد أن هذه الروح سوف تعود إلى جسم الإنسان وتستطيع أن تهتدي إليه ومن ثَمَّ تتعرف عليه وتجتمع به حيثُ الحياة الأبدية، ولكن لا تستطيع التعرف عليه إلا من خلال نحت التماثيل ورسم الصور من الأمام فَتُسهِلُ على الروح التلاقي مع الجسد الذي كانت تسكن فيه وكان هذا المعنى يُفسِر النزعة الطبيعية في تصوير الأشخاص في العصر الحجري القديم وصولاً إلى نهاية العصر الحجري الحديث، بعدها بدأت النزعة المماثلة للطبيعة تفقد طابعها السحري شيئاً فشيئاً الذي اعتادت عليه وآمنت به في معتقداتها بأن الروح في العالم الآخر تستطيع التعرف على جسد صاحبها في الحياة الأخرى بنفس الهيئة التي كان عليه قبل الموت، فأصبحت التماثيل تُظهِر الملوك بمظهر مثالي، كذلك كل فرد من أفراد العائلة الملكية وخاصة الملك من أفراد رعيته حيث كان الملك بمثابة الشمس المشرقة رمز النور والإشراق والخير والدفئ والوقار والهدوء والباقي كانوا الكواكب التي تدور حولها تستمد الضوء المنبعث من أشعتها.

ومن ذلك نستطيع أن نقول بل نُجزِم بأن الفنان المصري القديم أول من عرف تقاليد فن المسرح وطبقها من خلال هذا القانون – قانون المواجهة FRONTALITY – الذي يعمل على مخاطبة الجمهور والنظر إليه من خلال كل حركة وكل كلمة وكل لفتة  بخطوات القدم ومد اليدين عند الحديث والتعبير.

إنه فن مباشر لا يعرف حيطة ولا حذراً، فن يعبر عن فهم ديمقراطي يطابق الطبيعة لذا تحترمه وتُقدِره المجتمعات المتحررة أكثر من أي فنٍ آخر، بينما لو نظرنا للعصور الوسطى فسوف نجدها تتميز بالطابع الإيهامي Illusionism والذي يصور الملوك على عكس طبيعتها بنسب مثالية مخالفة لِما عليها مناقضة تماماً لفن المواجهة أوللواقع، وهذا ما يحدث بالفعل في السينما من خلال الأفلام ومؤخراً التليفزيون من خلال تقديم المسلسلات -حيث النزعة الإيهامية القوية وبشكل متكلف ومصطنع ينقل المشاهد إلى الأحداث بدلاً من نقل الأحداث إليه حيث يُظهر البطل وكأنه سوبر مان لا مثيل له مستخدماً كل الخدع الممكنة التي تستحوذ على مشاعروفكر وخيال المشاهد.

نعم لقد كان للفنان المصري الفضل بل والسبق في ظهور فن المسرح والسينما بتلك النزعتين المختلفتين – نزعة مطابقة الطبيعة والنزعة المخالفة لها أو الطابع الإيهامي Illusionism -.

وياله من صراع داخلي دائم يحمل في طياته السحر والغموض، وعن قصد أو عن غير قصد، فقد كان الفنان المصري القديم دائماً ينظر إلى ما وراء الأشياء نظرة عميقة تتحرك في عالمين مختلفين ” عالم ظاهر وعالم مستتر، عالم فني وعالم آخر خارج عن حدود الفن ” … وللحديث بقية…    

 

        

                                  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: