الإثنين , مارس 1 2021

من قصاصات الغفران _ فتحية دبش _ تونس

… دخلت مرحلة اليأس، لم تزرني الحمى أو الفوارة كما سمعت النساء يسمونها، لم تتراكم الدهون فقط على فخذي وأسفل بطني وكتفي جراء التحولات الهرمونية الناتجة عن التقدم بالعمر. قلبي أيضا امتلأ بالدهون وصار يزن أطنانا من الشحوم التي تثقل قفصي الصدري. لم تعد حمالة الصدر قادرة على احتواء نهديّ فصرت أرفعها عنوة وأحررهما. الضيق كان يتملك بهما كلما ارتديت فستانا أو قميصا بلا أزرار، فصرت أخير المراويل صيفا وشتاء وربيعا وخريفا. وأترك لشحومي أن تتدلدل هنا وهناك في مشيي وفي كل حركة تأتيها هذه الآلة التي أسكن. حتى نظرات الشيوخ وهي تلتهم ترهلاتي لم تعد تزعجني.
صرت أسكن جسدا غريبا ويسكنني قلب غريب.
سن اليأس لا علاقة له بالعمر ولا بالتجاعيد التي تمتد كعرق النجم حول الفم والعينين وعلى الجبين وأحيانا تحت الذقن وإلا لكانوا اختاروا له اسما آخر من قبيل سن الفوارة أو سن الشحوم أو سن التحول وحسب. إنما له علاقة وطيدة بتجاعيد القلب. تحت كل تجعيدة مخبأ لحكاية أو لحب أو لجرح أو حتى لتنهيدة حُبست يوما ما ولم يفرج عنها.
سألته يوم الحادثة بحيرة معهودة ” ماذا لو تتحول كل هذة الشقق إلى بيوت بلا جدران ولا أسقف ولا أبواب فنكتشف ما خلف الضحكات المواربة من خيبات… أن تصبح القرية كلها بيتا واحدا نتعايش فيه نواسي فيه بعضنا البعض ونتقاسم الرغيف والشكوى وربما أيضا يصبح للحب معنى ووجه.”
لم يجبني ولكنه غير الموضوع كعاداته وتحدث كالمهتم عن البلاد وهي تغرق بالديون وبالبطالة ونقاشات البلاتوهات التلفزية المبشرة بسقوط كل شيء عدا التفاهة. حدثني أو حدث نفسه ونحن نحتفل بعيد الثورة وقال إن بعد الثورة “مش خير”، فالبطالة تراكمت و الشباب هج من البلاد هجا على قوارب متآكلة أو على حبال تطبق على العنق فتقسم الهواء نصفين والساسة بكروشهم المدورة وياقاتهم المائلة في غير أناقة يصولون ويجولون ويصل الأمر حد التقاتل والتصفيات.
غير الموضوع مباشرة واضطررت إلى مسايرته. لا باس فالرجال كما أدركت بعد هذا العمر لا يحسنون الحب بالكلام ولا بالفعل. يحسنون فقط ركوب الأنثى المحجوزة لديهم كالبلاد بقوة العرف والدين والقانون والشهوة. هم يتخيلون دوما أنهم نادرون وأن سلاحهم ذاك فتاك فيحولون حتى مظاهرات المساندة للقضية الفلسطينية إلى حلبات تحرش واحتكاك بأجساد النساء.
هم بائسون جدا! نعم، بائسون جدا…
هم الضحايا الحقيقيون بينما يظنون أنهم المحركون الأساسيون للحياة. لقد تحولوا إلى بهائم تأكل وتنام وتركب الأنثى وتتناسل دون أدنى وقفة تفكير في معنى كل ذلك. لم يدركوا غير أن المرأة حرث وإنها لا تملك من نفسها وجسدها إلا ما يملكون وأن الحب يتلخص في ذلك السائل النتن الذي يتبولونه في جسدها المرحاض. إحدى الجارات قالت لي مرة لماذا تخشى النساء من قول الحقيقة. حقيقة أنهن يعشن مغتصبات وإنهن في الغالب يملؤهن الاشمئزاز بعد أن يغادرهن مغتصبوهن لاهثين ويرتمون على جانب من الفراش ويتركوهن للرغبات المكتومة والخيبات الباكية؟ لماذا لا يقلن الحقيقة من كونهن يعين غبن الجسد والقلب في كل مرة إذ يتركوهن في العراء والقلب والجسد محمومات بالغبن والرجاء؟.
قلت: البلد على كف عفريت كما يقول الأشقاء المصريون. مرة أخرى تجاهل كلامي ليس لأنه ثرثرة ولكنه تجاهله لأنه كلامي وإن كان في الحقيقة كلامه، وتناول جهاز التحويل التلفزي وغير القناة. ببساطة غيرها… لم يسألني إن كنت أشاهد شيئا من ذلك المسلسل أو إن كنت أرغب بتغيير القناة. غيرها واعتدل في جلسته. باعد بين ساقيه ورفع اليمنى قليلا إلى الأريكة بينما ظلت اليسرى نصف ممدودة. بيده اليمنى ظل يبحث في برنامج تلفزي وباليسرى كان يتلمس انفراجة الفخذين. كنت أراقب حركته دون تأويل مني ولا حتى محاولة قراءة رغباته التي تجول الآن برأسه وتكتبها رؤوس أصابعه. هل هو فعلا يمارس رغبة؟ لا أظن ذلك… لقد خبرته، أعرف أنه لا يدرك الرغبة من التعود. هو لا يفعل غير ما اعتاد ان يفعله ليطمئن القبيلة بكونه الفحل الذي ينتظرون. كما يمارس الأكل والشرب والنوم يتلمس جزءه ذاك بلا تفكير. لو كان الأمر على غير ما يبدو من أمر العادة والتعود والتمحور حول الفراغ لكانت تلك الحركة الآن مصحوبة بنظرة في عينيه تصيب عيني وتناديني للمتعة المشتركة، لفتحت أيضا بين فخذي شرفة لللذة وتلمست مكمن الماء والنار، لكنت أبادله النظرات والابتسامات ولاقتربت منه قليلا مناورة ولكانت اللعبة بيننا مناصفة واللذة مناصفة والحب مكتملا وتغير حال البلاد. لكنه لم يدعوني يوما إلى هذا السيرك الغامض الكبير . فقط كان يتسلى وحده بصعود مناطقه التي فيه ومناطقه التي في وأسكنها بالايجار، تلك المناطق التي يظن أنها أرضه الوحيدة التي يجب أن يغرس فيها علم النصر. كان يفعل ذلك بشكل اوتوماتيكي لا إغراء فيه وأجزم أنه لم يكن يتلذذ بذلك وإنما كان فقط يطمئن إلى شيئه الضامر يستطيع بعد الانتصاب أحيانا ولا يزال به رجلا قادرا على حمل أنثاه على الطاعة.. تلك حركة معتادة عندنا في البيت وفي الحافلات وفي العمل. حركة فحولة لا غير، فحولة بلا روح ولا متعة لم ترتق يوما عن كونها كذلك.. أينما وجد الرجل دقيقة ليختلي برأسه تمتد يده وفي ذلك سلام ربما، سلامه الداخلي ويقين القدرة وإن كانت واهية. كنت أراقبه بدوري دون تفكير. فقط قفز إلى ذهني كلامه مرة ونحن نحاول جاهدين معرفة أصل جارنا الجديد، جار قادم من بلد ما، قصير القامة، مستدير الكرش عريض الكتفين، كانت يده غالبا ما تكون تائهة من فوق السروال هو أيضا. يومها نظرت إليه وقلت :” اممم إنه منكم، مثقف مثلكم … ماهو بالغريب.”(…)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: