الجمعة , فبراير 26 2021

فكرة .. بقلم / صاحب ساجت 🇮🇶

لا تَظلُمُوا المُفَكِّرَ وَ المُبْدِعَ إلَّا بِالحَقِّ!
اِطَّرَدَ القِياسُ.. وُجُودًا وَ عَدَمًا، عَنْ مَسْألَةٍ في أغْلبِ المُجتمعاتِ الإنسانيَّةِ، ضَحيَّتُها المُفكِّرُ وَ المُبدِعُ! حاوَلْتُ بِكلماتٍ مُتواضعَةٍ أنْ أُشِيرَ لِجُزئيَّةٍ بَسيطةٍ مِنها، لَعَلِّي – بِهــا- اِقْتربْتُ مِنْ ساحَةِ التَّوفيقِ فِيما ذَهَبْتُ!
المُقدَّمةُ:-
يَقولُ “طَرفةُ بنُ العبدِ” الشّاعرُ الجاهليُّ
وَ أحدُ شعراءِ المُعلقاتِ،(543م – 569م) يَلُومُ أصحابَهُ في سجنهِ، لِخِذلانِهم لَهُ:-
{كُلُّهُمُ أروَغُ من ثَعْلَبٍ
ما أَشْبَهَ اللّيْلَةَ بالبارحَهْ}
بيتٌ مِنَ الشِّـعرِ.. تَمثَّلَ بهِ “الحَسَنُ بنُ عليٍّ بنُ أبي طالبٍ” عليهما السَّلامُ، في بعضِ كلامهِ للنّاسِ!
وَ يُضْرَبُ هذا البيتُ، عندَ تَساوي النّاسُ في الشَّرِ وَ الخَديعةِ. وَ يَعني:ـ ما أشبهَ بعضَ القومِ ببعضٍ!
لا أدَّعي إنِّي أنشرُ معلومةً جديدةً، إنَّما أُحاولُ أن أربطَ حاضرَ شعوبٍ، بأحداثٍ مَضتْ، لشعوبٍ وَ أُمَمٍ قديمةٍ! وَ أتمنَّىٰ أن لا يُفْهَمُ ما سَيَرِدُ مِن كلماتٍ وَ أفكارٍ، إلّا بِما تَحملُ مِن دلالاتٍ وَ مَفاهيمَ، يَزْعِمُ بعضُنا إنَّهُ قادرٌ على بيانِها، لكنَّهُ آثَرَ الصّمتَ وَ نَأىٰ بنفسهِ بعيدًا عنها، لسببٍ أو لِآخرٍ!
أَصـلُ المَوضُوعِ:ــ
{مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (الروم 30 – 32)
ما أكثرَ المواقفِ وَ الأفكارِ وَ القصائدِ وَ اللّوحاتِ الفنيةِ، التي قَتلتْ أصحابَها، دونَ رَأفةٍ وَ لا أسفٍ علىٰ قتيلٍ مِنهم! وَ هؤلاءِ المَقتُولونَ ـ حَتفَ أنُوفِهم ـ ليسُوا بمكانٍ للرّعونةِ وَ لا العِنادِ، وَ لا لوثةٍ أو طَيشٍ في ثَنايا عقُولِهم، المُبدعةِ وَ الخلّاقةِ في زمنٍ تَقَلَّدَ فيهِ عُتاةٌ أو طغاةٌ أجلافٌ زِمامَ (شوؤنِ إدارةِ مجتمعٍ). وَ إنَّما قادَهم الإيمانُ بالحقيقةِ إلىٰ إعلانِ رسالةٍ واضحةِ الأهدافِ، شاملةٍ، لا يأتيها الباطلُ مْن قريبٍ أو بعيدٍ، ساميةٍ.. لا يَعلو عَليها أمرٌ مِن مَلِكٍ أو فَقيرٍ!
فالإنسانُ هو (مقياسُ كُلُّ شيءٍ) وَ لا توجدُ ثَمَّةَ حقيقةٌ خارجيةٌ، مستقلةٌ عنهُ. وَ المُثُلُ التي يَطمحُ إليها الناسُ، سواءٌ في الأخلاقِ أو الدينِ أو الحقيقةِ أو القانونِ، أخذتْ تَتعرَّضُ إلىٰ هَدمٍ وَ تدميرٍ! بحيثُ ذَهبَ كلُّ فردٍ في إدراكِ الفضيلةِ وَ الرّذيلةِ وَ تفسيرِ الخيرِ وَ الشَّرِ، مَذهبًا أو دينًا أو حزبًا {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} يُناسبُ هَواهُ، وَ يتفقُ مَع مآربِهِ، وَ أخْضَعُوا الدّينَ للنقدِ وَ الشَّكِّ، وَ أنكروا الحقائقَ الخارجيّةَ، وَ عَبثوا بالعاداتِ وَ القوانينِ المورُوثةِ! فما عادَ الإنسانُ (مقياسَ كُلَّ شيءٍ).
وَ هُنا جاءَ دورُ المُفكرِ وَ المُبدعِ
وَ الشاعرِ، ليجدَ أنقاضًا متهدمةً، بِحاجةٍ إلىٰ بناءٍ وَ ترميمٍ!
فَأقامَها وَ أعادَ لها النِّظامَ الذي أتلفَهُ المُتنفذُونَ وَ القابضُونَ علىٰ زِمامِ شُؤونِ المجتمعِ! لكنَّهم دَفعُوا ثمنًا باهضًا مقابلَ ذلكَ!
“سِــقراطُ” مِثـالًا:–
سقراطُ فيلسوفٌ يونانيٌّ، وُلِدَ في ‘أثنا’ 400 — 470 ق. م.
أَحِبَّ الحكمةَ وَ نَشدَها في كُلِّ مَنْ صادفَهُ. وَ قَدْ مـَـهَرَ في طريقةِ الحوارِ، وَ لمْ يَرَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيما يفعلُ، بَلْ يَعتقدُ أنّهُ مُسَيَّرٌ بِوَحيٍّ يُمْلِي عليهِ ما يَقولُ وَ ما يَفعلُ!
أغْضبَ الطّبقةَ العاليةَ، لأنهُ يَمقْتُ الأُروسْتقراطيَّةَ وَ ما تَجِرُّ وَراءَها مِن اِستبدادٍ وَ ظُلمٍ. فَوُجِّهَتْ إليهِ ثلاثُ تُهَمٍ:ـ
* اِنكارُهُ آلهةَ اليونان،
* دَعوتُهُ اِلىٰ آلهَةٍ جَديدةٍ،
* اِفسادُ الشبابِ الذي اِلْتَفَّ حَولَهُ،
وَ هي باطلةٌ وَ مَردُودةٌ.. قَطعًا!
لإنّهُ يَجِلُّ وَ يُقدِّسُ آلهَتَهُم، أوّلًا.. وَثانيًاـ اِعتقادُهُ بِانَّهُ مُسَيَّرٌ.. لا يَكْفِي تَرجِيحُ اِتهامِهِ. وَ ما كان في نفوسِ الشّبابِ مِن أثَرٍ، فَهو لمْ يَكُنْ إلَّا تَهذيبٌ وَ إصلاحٌ لَهم ـ ثالثًا!
مَسرَحيةُ الحُكْمِ:ـ
تَقدَّمَ ثلاثةٌ مِن أعداءِ سقراط بالتُّهمةِ، وَ وَقفَ يُدافعُ عَنْ نَفسِهِ، ليسَ بِرَدِّ الإتهامِ وَ تَبرِئَتِهِ مِمَّا نُسِبَ إليهِ، لٰكنْ أَخَذَ يُشْفِقُ علىٰ مَوقفِ القَضاءِ المُخزيِّ، وَ يَتَوجعُ لِمَا أصابَ الشّبابَ مِن شَرٍّ وَ فَسادٍ!
فاصدرَ القضاةُ حكمَهُم (بأغلبيّةٍ ضئيلةٍ جدًّا) بثبوتِ التُّهمةِ عليهِ، تَمهيدًا لحكمٍ يَليه، وَ يُحَدَّدُ فيهِ الجَّزاءُ.
فالقانونُ اليوناني.. يَنصُّ علىٰ أنّهُ:ـ
اذا ثَبَتَتْ تُهمةٌ علىٰ مُتهمٍ، وَجَبَ أن يَقتَرِحَ المُدَّعِي عقُوبةً، وَ يَقترحُ المُتَّهمُ عُقوبةً أُخرىٰ. وَ يُتْرَكُ للقضاءِ اِختيارُ ما يَراهُ مِنَ العقوبتينِ!
اِقترحَ المُتَهِمُـون (بكسرِ الهاء) عقوبةَ الإعدامِ، بَينما سقــراطُ قالَ.. إنَّهُ لمْ يَرتكبْ جُرمًا، إنَّما عَنَىٰ الإصلاحَ! وَ إذا كانَ لا بُدَّ مِن إبداءِ رأيهِ، فيما يَستحقُّ مِن جَزاءٍ.. وَ بِتَهكُّمٍ لاذعٍ، قالَ إنَّهُ يُريدُ أن يَتربّعَ منصبًا في مجلسِ القضاةِ، جَزاءً لِمَا قَدَّمهُ للشعبِ مِن خَيرٍ!
حِينَذاك… ثارتْ ثائرةُ الغضبِ من القضاةِ، وَ لَمْ يَتردّدُوا باصدارِ عقوبةِ الإعدامِ عليهِ بأغلبيّةٍ كبيرةٍ!
تنفيذُ العقوبةِ:ــ
قَضَىٰ سقراطُ في سجنهِ، ثلاثينَ يَومًا، يَنتظرُ تنفيذَ الموتِ. وَ لم يَستمِعْ لأغراءاتِ أصدقاءِهِ بالفَرارِ، لإنَّ ذٰلكَ.. برأيهِ خَوَرٌ وَ مَدعاةٌ لِلجُبْنِ! وَ واجبُ كُلِّ فَردٍ أن يَطيعَ القانونِ!
وَ بعدَ سبعينَ سَنةً.. أو أكثر من العُمرِ، تَجَرَّعَ كأسًا مِنَ السُّمِ القاتلِ، في رزانةٍ وَ هدوءٍ.
(طريقةُ الإعدامِ في العهدِ اليوناني القديمِ، أن يتجرعَ المُدانُ كأسًا مِنَ السُّمِّ!)
فَمَا أشبهَ اليومَ بالبارحةِ، عِندَما يَتجرعُ المُبدعُ وَ المفكرُ، السُّمَّ الزُعافَ، وَ يلوذُ بالصَّمتِ، خَوفَا أو خِشيَةً أو حِفاظًا علىٰ حَياتِهِ!
فَهَلَّا وَصَلَتِ الفِكْرَةُ!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: