الخميس , فبراير 25 2021

د. نيفين عبد الجواد تكتب :إحياء الذكرى العاشرة لثورة يناير

إن أصحاب الذاكرة الحية هم فقط من يملكون الأمل وهم وحدهم من يستطيعون صياغة المستقبل بأيديهم، أما من سارعوا إلى فقدان ذاكرتهم وتضييعها بهدف طمس أهم ما كانت تحمله من أحداث تركت ذكرى للتفكر والتدبر وليس للتسلي والتندر فإنهم لن يكونوا سوى عالة على من حولهم فلا هم سيتمكنون من إكمال مسيرة حياتهم بلا ذاكرة حية، ولا هم سيصنعون ما يستدعي الاحتفاظ به في أية ذاكرة.

وبالفعل قد تتشابه الأحداث فيظن البعض أن هذا التشابه يُعد تكرارًا للماضي؛ ولكنه في الواقع لا يختلف كثيرًا عن تشابه البشر، فإذا كان هناك شخصٌ ما يشبه آخر فهذا لا يعني أنه تكرار له؛ بل يعني أن كلًا منهما مستقل بذاته ومتفرد عن غيره حتى لو كان مشابهًا له. فلا يوجد اثنان من البشر متطابقيْن حتى لو كانا توأميْن؛ فمهما ظننا أنهما نسخة طبق الأصل فحتمًا هناك اختلاف بينهما يجعلهما غير متطابقيْن ومن ثم لا يُعد أي منهما تكرارًا للآخر. وتلك هي القدرة الإلهية على خلق التفرد بالرغم من معجزة التشابه، وذلك هو الإعجاز في ألا يطغى التشابه على التفرد فلا يكون هناك أي تكرار.

لقد توصل علماء التاريخ إلى أن التاريخ لا يعيد نفسه، أي أن الماضي وأحداثه قد ذهبوا ذهابًا بلا عودة أو إعادة، فلا يمكن أن يتكرر أي حدث مضى حتى لو تكررت الظروف وتشابهت المؤثرات. إنها اللحظة الزمنية التي ما أن تولد فتبدأ إلا وتنتهي ماضية بلا عودة. وإنه الحدث الذي إما أن يقع من الإنسان أو أن يقع عليه ولا يمكن له أن يتكرر في المستقبل وذلك لأن الإنسان قد تغير والزمن قد اختلف.

وهكذا كان التجمع الثوري المبكر منذ عشرة أعوام حدثًا مبهرًا وموحيًا ومؤثرًا حمل معه الكثير من الآهات والضحكات، وألقى بظلاله على عقول وقلوب الكثيرين، ولكنه لأنه كان تجمعًا بلا قيادة بارزة كان من السهل أن يتشتت ويتشرذم ويتفتت ويتشرنق. وإذا كنا الآن أبعد ما نكون عن إعطاء ثورة يناير حقها من التمجيد سوى عن طريق الاحتفاء الصوري بها كيوم تمنح فيه الدولة العاملين بها إجازة رسمية، فإن هذا لا يعني أن نمحو أحداثها من ذاكرتنا، خاصة وأن ذاكرة معاصريها ما زالت حية ونابضة بل وقلوب مصابيها وأقرباء شهدائها ما زالت يعتصرها الحزن والألم ليس على فراق أحبتهم وحسب بل أيضًا بسبب اغتصاب الحُلم واختلال ميزان العدل.

ربما نكون فعلًا بعد مرور عقد كامل على الثورة غير مستعدين للهتافات الثورية بل وغير قادرين حتى على البوح بهمسٍ خافت، ولكن هذا لا يعني أن نصمت صمت الأبكم الذي لم تعد لديه القدرة على السمع ولم يعد يتمكن من الرؤية. كما إنه لا يعني أن يظن البعض أن الاحتفال بعيد الشرطة يتعارض مع إحياء ثورة يناير بطريقة تليق بها، فيكون لابد من تمجيد أحدهما على حساب تجاهل الآخر وكأن كليهما نقيض للآخر وليس صورة منه تتكامل معه وتعبر عن فحواه.

وما دام التاريخ لا يعيد نفسه وطالما أن البشر متشابهون وليسوا متطابقين فعلى الأقل على النبهاء من البشر ألا يكرروا أخطاءهم مرات ومرات دون اهتداء إلى الصواب. إننا ربما لم نعد بحاجة إلى ثورة بلا قائد، ولكننا ما زلنا بحاجة إلى شعب حر يعمل نظامه الحاكم على تنظيم طاقة أبنائه فيما ينهض ببلادنا نهضة حقيقية تقوم على الفكر الحر والتعليم غير التلقيني، فلا تكون هناك سلطة مركزية شمولية لا يمكن مشاركتها في اتخاذ القرارات المصيرية والتوجهات السياسية والإدارية، ومن ثم لا يمكن مراقبتها أو محاسبتها في أي وقت.

إن من خرجوا إلى الميادين ثائرين منذ عشرة أعوام رغم إنهم كانوا في الظاهر على قلب هدف واحد، إلا أن الباطن لم يلبث أن افتضح سريعًا فلم نر سوى الخروج المؤسف من الميادين في تشتت وفرقة ضمت من كان صادقًا واستطاع أن يحتفظ بصدقه وصدق نواياه، وكذلك من تملق من أجل الوصول إلى غايته الدفينة غير المعلنة والتي تحمل مصلحته الشخصية ومنفعته وحده على حساب الآخرين. فهل يليق بمن كان صادقًا أن يتخلى عن حُلمه أو أن يغلبه اليأس ويتمكن منه الإحباط فيردد بكل انهزامية “مفيش فايدة” مفضلًا ترك ساحة الحياة لمن يريدونها لهم وحدهم دون سواهم؟

إن طهارة دماء الشهداء لهي كافية وحدها كي تدعونا جميعًا إلى تنشيط ذاكرتنا مهما مضى من سنوات وانقضى من أعوام، وذلك كي نظل متمسكين بحقوقهم وحقوق المصابين الذين فقدوا أعضاء من أجسادهم فداءً لمطالب مشروعة لم تكن تتعدى العيش الكريم والحرية والكرامة والعدالة. ولكن بعدما انفض الميدان وتفرقت الجموع بعد توحدها، فللأسف لن يكون هناك من يظل محتفظًا بشعارات الثورة ومؤمنًا بهتافات الثائرين سوى أولئك الذين يعتبرونها حدثًا متجددًا لم ينتهِ بعد –على الأقل في ضمائرهم وعقولهم وقلوبهم. ولا يجب أن نستهين بقيمة ذاكرة الأمم والشعوب، فمجرد المداومة على تنشيط الذاكرة يعني استمرار الحُلم المحفوظ في الوجدان وعدم السماح بالتفريط فيه أو التخلي عنه.

وإذا كان الغضب له موجات يهدأ بعدها فيبدو وكأنه لم يكن، فإن القيم والمبادئ ليست شعارات براقة تتوهج ثم تخفت حسب الظروف المحيطة بها، ولكنها عبارة عن شهب متوهجة في العقول والقلوب والضمائر لا تنطفئ جذوتها ولا تهدأ شرارتها ما دام أصحابها على قيد الحياة. لذلك فإنه من الجلي أن كل من حقق مآربه وجني ثمرة مشاركته الثورية التي كانت تهدف إلى منفعته وحده لن يفرط بسهولة في غنائمه ومكتسباته التي اقتنصها من أصحابها، ولكن بالرغم من ذلك فإنه لم تعد هناك أية أقنعة لم تسقط بعد، ومن ثم لم يعد هناك مجال لمزيد من الخداع أو الزيف.

وإلى أن يتحقق الحُلم لا يجب أن نمحو من ذاكرتنا أولئك الذين خرجوا مجتمعين في مكان واحد بعدما أدركوا أن هدفهم واحد وأنينهم واحد؛ ولذلك انطلقت هتافاتهم من صدورهم قبل حناجرهم مدوية في الآفاق. وعلينا الآن أن نظل منصتين لصداها حتى بعد أن رحل الجميع ولم يعد هناك من يحمل الشعلة ليوجه الجموع.

إن التجمعات البشرية التى تهدف إلى تحقيق إنجازات تاريخية لابد أن تتسم بحسن التنظيم وجودة الإدارة لأفرادها، وهو لن يتم إلا بوجود قيادة قادرة على وضع خطة للعمل، واختيار جيد للأفراد المؤهلين لتنفيذ تلك الخطة، ومتابعة ومراقبة كل فرد في أدائه لمهمته، وذلك بعد أن يتضح الهدف منذ البداية وتتوحد الغاية ولا تتشتت المقاصد.

لذلك فإن الإنجازات المهمة والفعالة لم تحدث على مدار التاريخ صدفة أو بطريقة عشوائية؛ بل كان هناك دائمًا التخطيط والتنظيم والعمل والمثابرة. فتلك هي طبيعة الحياة على الأرض التي لا تمنح البشرية التقدم المستمر إلا بالعمل المنظم والكفاح المتواصل والدائم. وهي أيضًا طبيعة الإنسان الذي يحمل ذاكرة حية يختلف بها عن البهيمة التي ليس لها أية ذاكرة، ومن ثم ليس لها تاريخ يحمل أي معنى أو مستقبل يحمل أي اختلاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: