الأربعاء , فبراير 24 2021

الكاتب ابراهيم ياسين يكتب … أنا شبحي

( أنا شبحي )
الكاتب والروائي إبراهيم ياسين

شمسُ شباطٍ تركتْ دلالَها واتكئتْ على الأفقِ الفيروزيِّ المعتمِ لترسلَ شعاعَها الدافئَ قبيلَ مشهدِ الطيورِ المسافرةِ في الشفقِ في عيوني المترقبةِ وصولَ ناني على رصيفِ محطةِ القطارِ الذي طالما شهدَ رحيلَها وضياعي بين غيابِها و عودتِها ، تارةً أرقبُ وصولَ قطارِها وتارةً أخرى أداعبُ قدحَ القهوةِ وأتاملُ بخارَه المتصاعدَ المسافرَ دون قيودٍ فأصبُّ عليه حقدي وسخطي سيرى ناني قبلي ويعششُ بين خصلاتِ ليلِها التي تداعبُ رذاذَ الماسِ على الرقبةِ الملساءِ ويشمُّ عبقَها ويمزجُ أنفاسَه بأنفاسِها ويهمسُ لها وربما يسمعُها نصوصاً سرقَها من دفاتري وأحملقُ في نارِ سيجارةٍ رخيصةٍ في يدِ عجوزٍ بائسٍ ينتظرُ حبيبةً يبدو أنها سافرتْ منذ عقودٍ لعلها ترجعُ وكيف تلتهمُ النارُ جسدَه وترسمُ خطوطاً منحنيةً ومستديرةً على جلدهِ وتصبغُ شعرهُ الهشَّ بالرمادِ والثلجِ ،وأرقبُ عقاربَ الساعةِ التي تتقدمُ كرجلً يدفعونه إلى المشنقةِ وأرجوها أن تغيِّرَ قوانينَها فلتكنِ الدقيقةُ ثلاثين ثانيةً ولتمضِ الساعةُ نصفَ ساعةٍ فلن يشعرَ أحدٌ طالما تدورُ وطالما لا ينتظرُ كما أنا ، ودنت مني غادةٌ فاتنةٌ غجريةٌ ملونةٌ ترتدي ثياباً رثةً قائلةً : هل تلك هى محطةُ انتظارِ الغائبِ الذي لن يأتيَ !!فقلت:ما المعنى؟ فلم تُعِر اهتماماً بسؤالي ومضت في طريقِها حتى ذابت في المدى..
تأخرَ قطارُها ولم تأتِ !!! فرحت أتساءلُ عن الوقتِ ربما أخطأتْ ساعتي ؛ واقتربْتُ من العجوزِ الذى يراقبُني كظلي متسائلاً عن الوقتِ ؟!! أجابني بعد ما ارتسمت على طياتِ وجهِه ابتسامةٌ ساخرةٌ هازلةٌ : أنت عالقٌ فلا زمانَ هنا ، ولا وجودَ ، فظننتُ أنه مجنونٌ وابتعدت عنه مسرعاً نحو شباكِ التذاكرِ وطلبتُ من العاملِ استخدامَ الهاتف فأعطاني إياه وضغطتُ أرقامَ هاتفها والضغطُ على وشكِ الانهيار داخلي فردت امرأةٌ قائلةً : أنت تحاولُ الاتصالَ بعالمٍ لم نستطعْ بعد الوصولَ إلى تردداتِه !!! فتعجبْتُ وعاودتُ الاتصالَ ربما حدث خطأٌ ما فأجابتني نفسُ المرأة بما قالت ، فتركْتُ الهاتفَ وصرتُ أشبهَ بسمكةٍ تدفعُها الأمواجُ إلى غير بر ، أو طائرٍ مذبوحٍ يحاولُ التقاطَ حباتِ الروحِ التي تتساقطُ مع سقوطِه ، وعدتُ إلى حيث كنت وما أن اقتربتُ من العجوزِ ضحك ضحكةً هستيريةً وهو ناظرً إليَّ فدنوت منه متسائلاً : ما الأمرُ؟ قال : أنا أنت إنْ كان قدرٌ لك أن تشيخَ ..!! فنظرتُ إلى الساعةِ ووجدتُ عقاربَها تدور عكساً وجذبتني إلى دوامتِها ودارت بي ثم ألقتْ بي على رصيفِ محطةٍ أخرى وسرتُ متجهاً في طريقي نحو اللاشيء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: