الثلاثاء , مارس 2 2021

ميرنا أحمد تكتُب : نبذة مِن قُطوف الأدب

” دقة بدقة و لو زدت لزاد السقا  ” هو مثلٌ شهير تداولناه و مازال الكثير منا يتداوله حتى كتابة هذه السُطور و ذُكر فى كتاب ( قطوف الأدب من كلام العرب ) لإبراهيم أبو الطيب الدمشقى حيثُ تعود قصته لتاجرٍ من مدينة الموصل فى شمال العراق كان صاحب خُلقٍ و دين و إستقامة و كثير الإنفاق على أبواب الخير من الفُقراء و كان كثير المال و ذائع الصيت و كان له ولد و بنت فلما كبر به السن أراد أن يُسلّم تجارته لإبنه حيث كان التاجر يشترى من شمال العراق الحبوب و الأقمشة و غيرها و يبتاعها فى الشام و يشترى من الشام الزيوت و الصابون و غير ذلك ليبتاعها فى العراق …
و بعد أن جلس مع إبنه و عرّفه بأسماء تُجار دمشق الصادقين و أوصاه بتقوى الله إذا خرج للسفر  حيث قال له ( يا بُنى  و الله إنى ما كشفت ذيلى فى حرام و ما رأى أحدٌ لحمى غير أمّك .. يا بنيّ حافظ على عرض أختك بأن تحافظ على أعراض النّاس ) …
و خرج الشاب فى سفره و تجارته و باع فى دمشق و اشترى و ربح المال الكثير و خلال طريق العودة و قُبيل غُروب الشمس حطّت القافلة رحالها للراحة أما الشاب فذهب يحرس تجارته و يرقب الغادى و الرائح و إذا بفتاة تمرّ من المكان فراح ينظر إليها فزيّن له الشيطان فعل السوء و هاجت نفسه الأمّارة بالسوء فاقترب من الفتاة و حاول أن يمسك يدها بغير إرادتها لكنه سرعان ما انتبه الى فعلته و تيقّظ ضميره و تذكّر نظر الله إليه ثمّ تذكّر وصية أبيه فاستغفر و رجع إلى قافلته نادماً مُستغفراً  …
أما فى الموصل و حيث الإبن ما زال فى سفره الذى وقع فيه ما وقع كان والده فى بيته يجلس وسط أسرته و فى زاوية من زواياها و إذا بساقى الماء الذى كان ينقل إليهم الماء على دابته يطرق الباب الخارجى لفناء البيت و كان السّقا رجلاً صالحاً و كبيراً فى السن و اعتاد لسنواتٍ طويلة أن يدخُل البيت و لم يُرَ منه إلا كلّ خير و أثناء ذلك خرجت الفتاة أخت الشاب لتفتح الباب و دخل السقا و صبّ الماء فى جرار البيت بينما الفتاة عند الباب تنتظر خروجه لتغلق الباب و ما أن وصل السقا عند الباب و فى لحظة خاطفة زيّن له الشيطان فعل السوء و هاجت نفسه الأمّارة بالسوء فالتفت يميناً وشمالاً ثمّ مال الى الفتاة و أمسك يدها ثم مضى ! …
كل هذا والوالد جالس فى زاوية من زوايا البيت الواسع يرى ما يجرى دون أن يراه السّقا و كانت ساعة الصمت الرهيب من الأب ثم الإسترجاع أن يقول : (  إنّا لله و إنّا إليه راجعون  ) ثم يقول ( لا حول و لا قوّة إلا بالله ) و فكرَّ أنّ هذا السّقا الذى ما فعل هذا فى شبابه كيف يفعلها اليوم ؟! و أدرك أنّما هو دينٌ على أهل البيت و أدرك أنّ ابنه قد فعل فى سفره فِعلة إستوجبت من أخته السداد …
و لمّا وصل الشاب إلى بلده و بيته سلَّم على أبيه و أبلغه سلام تجّار دمشق ثم وضع بين يديه أموالاً كثيرة ربحها إلا أنّ الصمت كان سيد الموقف و البسمة لم تجد لها سبيلاً الى شفاه أبيه سوى أنّه قال لإبنه هل حدث معك فى سفرك شيئ ؟ فنفى الإبن و كرّرها الأب ثمّ نفى الإبن إلى أن قال الأب ( يا بنى هل اعتديت على عرض أحد ؟ ) ؟ فأدرك الإبن أن حاصلاً قد حصل فى البيت فما كان منه إلا أن اعترف لأبيه ثمّ كان منه البكاء و الإستغفار والندم عندها حدّثه الأب ما حدث مع أخته و كيف أنّه أمسك بيد تلك الفتاة بالشام فعاقبه الله بأن بعث السقا فأمسك يد أخته لأنها كانت دين عليه و قال له جملته المشهورة ( يا بُنى .. دقة بدقة و لو زدت لزاد السقا ) أى أنّك أمسكت يد تلك الفتاة مرة فأمسك السّقا يد أختك مرة و لو زدت لزاد و لو فعلت أكثر من ذلك لفعل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: