رؤى ومقالات

تجوالٌ في مدائن البلقان/ مدينة ” ميتروفيتسا ” / بقلم : بدر السويطي

تجوالٌ في مدائن البلقان/ مدينة ” ميتروفيتسا ”
Mitrovicë _ Mitrovica

هي واحدةٌ من أكثر مُدن البَلقان تَوتراً، تَقبعُ فوقَ فُوهةِ بُركان على الحدود المُلتهبة و على خط النار ، دارت فيها أعنف حربٍ في البلَقان و تركت الحربُ ثقوبها العميقة على الأبنية الرمادية و رائحة البارود في ذاكرة المدينة، أمرُ بها بحذرٍ شديد و على بوابتها يستوقفني عناصر من الجيش الإيطالي، بعد إبراز هويتي تمت إحالتي إلى كتيبة الجيش الألماني في قوات حفظ السلام ، يعرض عليّ أحد ضباط الكتيبة الألمانية بعض الكتيبات و الأوراق فيها الكثير من المعلومات، كذلك بطاقة تحتوي على أرقام طوارئ مجانية في حال حدوث أي مشكلة أثناء تجوالي في داخل المدينة، أدخلُ برهبة لمشاهدة خَبايا المدينة التي طالما تردد أسمها في النشرات الإخبارية في التسعينيات و بقيّ أسمُ ميتروفيتسا في ذاكرتي، إنها “ميتروفيتسا” المدينة الحدودية الواقعة بين صربيا و كوسوفو منقسمةٌ على نفسها بسبب التعدد العرقي و الإثني ، يقطنها الألبان في الجانب الآخر من الجنوب” كوسوفسكا ميتروفيتسا” بينما يقطن الصرب في جهة شمال ” ميتروفيتسا صربيا ” تخضع ميتروفيتسا للمراقبة و الحماية من قبل قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة مع تواجد دوريات مراقبة من القوميتين الألبانية و الصربية، بعد إنتهاء الحرب في العام ١٩٩٩ تمت السيطرة نسبياً على الوضع الأمني في المدينة إلا أن النزاعات و التوترات السياسية التي تحصل بإستمرار بين كوسوفو وصربيا تُلقي بظلالها على الداخل و كثيراً ما تحتدم المواجهات العنيفة بين الألبان و الصرب لتتحول “ميتروفيتسا” إلى بؤرة توتر تتأجج فيها كل إرهاصات الحرب و تصريحات الأحزاب من مختلف الأطراف المتنازعة، يبدو الوضع مربك للغاية و الوجوم يخيّم على وجوه الناس و الشوارع و الأماكن العامة، و بسبب الأزمات الإقتصادية و السياسية و الإجتماعية المتوالية يزداد الأمر تعقيداً ، فهنالك الألبان و الصرب و البلقان المصريين و الأتراك و غجر الروما و الأشكالي و الغوران و هؤلاء جميعهم يعيشون على هامش ميتروفيتسا التي لم يتم تقرير مصيرها حتى الآن ، ميتروفيتسا البائسة ! تبدو المدينة و خرائبها كأطلال الإمبراطوريات البائدة، لا شيء يلوح في آفاقها سوى ظلال المارة و بائعي الخضار في الساحات الفارغة، يبدو المشهد غرائبيا و قاتماً و أتوغلُ بخطواتٍ حذرة في الأزقة و الشوارع، كنتُ كمن يمشي في حقل ألغام، أكملُ طريقي حتى أصل إلى بوابة الحدود ! رماد الحرب مازال يتطاير في عيون المدينة و في وجوه سكانها، ثمةُ غَمامٍ يحتقنُ في أفاقها و أسئلة مبهمة تقفُ كاليافطات و الإشارات المرورية! و تُحلق كالدخان في مقاهي ميتروفيتسا المكتظةِ بالعاطلين عن العمل و الحياة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى