رؤى ومقالات

حينَ تولدُ أحلامُ الصّبا خلف شويْهاتٍ ترْعى. بقلم الكاتبة صباح خضراوي

هاهيَ الشمسُ تستعدُّ للمغيب وهْيَ تُهيّءُ مخدَعها برفقٍ خلف تلك الجبال البعيدةِ فيما ظللتُ أرقُبُها وأنا متّكئةً على عصايَ الصغيرة وقد أسرتني تلك الألوانُ التي وشَّتْ خدَّ السّماء في تدرُّجٍ عجيبٍ،بينما تناثرتْ شُويْهاتنا هنا وهناك تلتهمُ بنَهَمٍ ما غنمتْهُ من بقايا عشبٍ يابسٍ.
أسدل الليلُ ستارهُ على “الدوّار” شيئًا فشيئًا،ولكنّ الشياهَ لاتزالُ مصمّمةً على البقاء،أما أنا فكنت أخاف العتمةَ لأنّ الظّلامَ في “دوّارنا”مَهيبٌ لا شيءَ يبدّدُ وحشتَهُ سوى أضواء خافتة تُشعُّ من نوافذِ البيوتِ المتناثرة لتمنحني بذلك بعضَ سكينةٍ.
خيّمَ الصّمتُ على “السّانية”وٱنقبضَ صدري من شدة الخوف،فجأةً تعالى إلى مسمعي صوتُ عمّتي خلف إحدى أشجار الزيتون تستحثُّني لإخراج الشياه:
“الليل طاح،فيه البركة،هيّا نروّحوا”،عندها لقفتُ عصاي الصغيرة وركضتُ أهشّ بها على الشّياه العنيدة وأُرغِمُها على “المِرواح” وكنت ألعنُ في سرّي الشياه والعمّةَ ذات القلب الميّت الذي لا يهاب شيئًا،وقد ٱرتعدتْ فرائصي من شدة الخوف ،فأنا أخشى الزواحف التي تعجُّ بها “طوابي الهندي” المترامية على جنبات الطّريق والتي كثيرا ماتخرجُ ليلاً بعد يومٍ صيفيٍّ قائظٍ،غير أنّي لا أفصحُ عن كلّ هذا لعمّتي حتّى لا تعيّرني بالجُبنِ وتردّدَ على مسامعي عبارتَها المعتادة: “الخوف وقلّةْ الطّاعة ،ولاّ كانْ طولْ لْسانْ”.
فينطلقُ صوتي مرتعِشًا وأنا أسيرُ أمام الشّياهِ ليمزّقَ صمت اللّيل،صادِحًا ببعضِ ماحفظتُهُ من أغنيةٍ قديمةٍ طالما كانت عمّتي تردّدُها في “المحفل”وفي أعراس “الدوّار”:
ياغيمْ العشوة…وياربّي
وتوَحّشْنا ويا عْذابي..
فيما كانت عمّتي خلف الشّياهِ تدعوني للسّكوت وتأمرني بأنْ أسْرِعَ خطايَ التي أضناها الرّكض وراء الشّياهِ بينما كانت هيَ جالسةً تحت شجرةٍ تتوسّدُ قارورةَ ماءٍ و”شالٍ” كانت تضعه على رأسها كلّما هجرتْ الظلَّ …..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى