كتاب وشعراء

سلاسل من حرير.. بقلم/ ليلى عبد الواحد المرّاني

“حين دخل كان متردداً متداعيا، ينظر حوله بارتياب، اعتدت أن أرى هذه الوجوه الحائرة، المتقلّصة؛ بحكم سنين طويلة في عملي، تمرّست في امتصاص هذا التداعي، وأحيانا الانفجارات المباغتة، وتحويلها إلى ثقة ونوع من الاطمئنان.
جلس على الكرسي أمامي وعيناه تدوران في محجريهما بقلق، تركته برهة كي يسترجع أنفاسه، محاولةً أن أشغل نفسي بتقليب الأوراق التي أمامي…
-أهلا بك أستاذ… أخيراً قلت بهدوء
– سليم… اسمي سليم
ابتسمت وأنا أعمل مسحاً سريعاً لهيئته، شاب في نحو الثلاثين أو أكثر بقليل كما خمّنت، لحيته صغيرة تتوزّع على ذقنه دون انتظام، ملابسه ونظارته الطبيّة السميكة تشي بالإهمال، استلقى على الطاولة في الركن الآخر من الغرفة، كما طلبت منه، وترك عينيه تحلّقان في السقف محاولاً التهرّب من نظراتي المتفحّصة.
– تحدّثْ عن أي شيء، أستاذ سليم؛ فأنا هنا لأسمعك…
تنفّس بعمق حتى أحسست أن رئتيه تمتلئان وتخرجان من أنفه…
– لا أدري من أين أبدأ
– قل أيّ شيء… فقط دعني أسمعك.
ساد صمت ثقيل. ”
” لقد كنتُ متردّداً أو حذرا، لأول مرّة أزور طبيباً نفسيّا، لكن الكوابيس تكاد تفقدني عقلي… من أين أبدأ؟ من هناك، من قريتي التي تركتها تغفو على ضفاف جدول فضّي ينساب بهدوء بين بساتين النخيل، كنت أسبح فيه وأصدقائي حين تلسعنا سياط الشمس الحارقة… آاااه، كم أتمنى أن أعود صغيرا تغمرني مياهك يا جدولي الصغير! أم أحكي عن بيتي الذي يحتضن زوجتي الحامل وابنتيّ، عراق ودجلة، ولو رزقنا بولد، سنسمّيه (فرات )، هكذا اتفقنا أنا وزوجتي… ”
” صوته كان رخيماً وعميقا، ومسحة حزنٍ معتّق تكسبه خصوصيّةً تلامس أوتار القلب، فجأةً توقّف واعتدل في جلسته، عيناه مغرورقتان بدموع الحنين والألم النبيل، ذلك الألم الذي يضيء ويحرق… وخيّم صمت جريح…
– كفى لهذا اليوم أستاذ سليم.
قلت حين أدركت أنه يختنق ولن يستطيع الاستمرار… الموعد القادم بعد أسبوعين.
لملم أشلاء أنفاسه وذكرياته واستقام واقفا…”
“بعد ثلاث جلسات أو أربع، شعرت بالاطمئنان إليها، بل إنني، وبغفلةٍ عنها، تفحّصت وجهها، ممتلئاً كان، يتصدّره أنف يميل إلى الطول، وبشرة خمريّة بلون السنابل قبل الحصاد، قد تكون في نهاية الأربعينيات من عمرها، لكنها تنضح حيويّة ودفئاً، دفء وطني الذي أفتقده، صوتها هادئ يبعث على الطمأنينة… طوفان الألم تفجّر براكينا، فحكيتُ، سيلا من ذكريات التعذيب النفسي والجسدي الذي اغتال إنسانيّتي في تلك الزنزانة المتعفّنة، وحين خرجت، كنت قد خسرت وظيفتي، وجوع مؤلم أخذ يتسلل إلى بطوننا بعد أن استنفدنا آخر فلس نملكه، مساعدات الأهل أصبحت تثقل على قلبي وتشعرني كم أصبحت ضئيلا، العيون التي تنضح حقدا ما زالت تترصّدني، نصحني أحد الأصدقاء بالهرب؛ فهم يبيّتون لي مكيدةً جديدة، قد لا أخرج منها سالم، فهربت”
“تعاطفتُ معه، رغم علمي أنه يساريّ حتى النخاع، وأنا على القطب الآخر من المغناطيس، شيء ما شدّني إليه، أكان عطفا، إشفاقا، أم…؟ لعنت زوجي الذي تركني منذ أكثر من عشرة أعوام ليتزوّج بسكرتيرته، بعد أن عجزتُ عن الإنجاب، قد أكون بعمر والدته، سليم الذي استحوذ على تفكيري، فيض من عواطف واشتياق يجتاحني حين أراه…”
” اسمي ماجد، وليس سليما، الخوف يلازمني حتى بعد مغادرتي بلاد الشمس والموت والنخيل، الكوابيس تلاحقني، والحنين إلى أرضي وعائلتي وجدولي الصغير، جعلني أبدو تائها مجذوبا، الأرق أصبح توأمي الذي لا يفارقني حتى قاربت على الجنون، العيون، تلك العيون التي أرتعب منها تلتصق بي أينما ذهبت، وحين أخبرتها بذلك، سألتني، هل تسمع أصواتاً في رأسك تتحدّث معك؟ أنكرتُ، وأخفيتُ عنها أنني أسمع أصوات أبنائي يتحدثون معي، تفهّمتني وحاولت جهدها مساعدتي، دعتني إلى شقّتها عدّة مرات، أكلتُ الطعام الذي حُرمت منه منذ خروجي من وطني… اطمأنّت روحي إلى دفئها وحنانها، لكنني لم أتجاوز حدودي معها، حتى فاجأتني يوما، قالت بثبات وهي تنظر في عينيّ: سأعرض عليك أمرًا، وقل رأيك بكل صراحة.
خشيتُ ما ستقوله؛ فأنا ما زلت أحمل الخوف والشك والحذر في قلبي،
– هل أصلح أن أكون زوجةً لك؟
انتفضتُ، وكادت ردّة فعلي تفضحني.
– فكّر في الأمر على مهلك، وثق بأن معاملتي لك لن تتغيّر لو رفضت.”
” انقطع عن زيارتي، ثلاث جلسات متتالية لم يأت إلى العيادة، أخذتُ أندم وألوم نفسي على تسرّعي، ولازمني الأرق، أشعر برغبة جامحة أن أكون معه، أن يضمّني وإيّاه سقف واحد، وفراش واحد، أحتاجه كما حاجته إليّ.”
” الأرق أصبح أشدّ وأقسى وأنا أفكّر في عرضها الغريب والجريء معا، كيف، وزوجتي التي أحب، وأبنائي الثلاثة؟ أصبحت الأفكار سياطا تلهب جسدي ورأسي، والعيون التي تلاحقني أشدّ اتقادا وقسوة، أهرع إلى فراشي خائفا أرتجف؛ فأشعر بحاجة ملحّة إليها، أنا هنا في صقيع دائم، وحيد لا أهل ولا عائلة، ولا عمل، حتى لغة البلد فشلت في تعلّمها،”
“- أهلا بعودتك سليم، بادرتُه مبتسمة والفرح يزغرد في صدري.
– اسمي ماجد، وليس سليما
– المهم أنك عدت، لكنك تبدو أشدّ تعبا ونحولا.
كأنه يفجّر قنبلةً في وجهي، قال مسرعا، متلعثما
– نتزوّج… نعم نتزوّج… ”
” انتقلتُ إلى شقتها الأنيقة، أصرّت أن تجعل من غرفة النوم جحيما أحمر، غطاء الفراش أحمر، الستائر حمراء قانية، حتى قميص نومها أحمر بلون الدم الذي أرتعب منه، وليالٍ حمراء أذاقتني فيها بتفنّن كلّ أنواع الحب التي حرمت منها أكثر من عامين، رغم معارضتي كانت تشتري لي ملابس أنيقة لم أعتد ارتداءها، حتى سجائري أجدها فوق المنضدة الصغيرة بجانب رأسي، وفجأةً بدأتُ أختنق من جديد، الغرفة الحمراء أصبحت فوهة بركانٍ متفجّر تكاد تبتلعني، صورة زوجتي وأبنائي يحدّقون في وجهي بعتاب أخذت تعذّبني، وعادت الكوابيس تطاردني بعد هدنة صغيرة.”
” لماذا تنام في الصالة؟ سألتُه حين رأيتُه نائما على الأريكة
– أخشى أن يزعجك شخيري…
– لكنني اعتدت عليه، أصبح بالنسبة لي موسيقا تبعث على النوم…
ضحك ساخرا: شخيري الذي يشبه قرع الطبول أصبح موسيقا ناعمة؟ هل تسخرين؟” استيقظتُ ذلك اليوم البارد المطير، لم أجده، خاتم الزواج وعلبة السجائر مركونان على المنضدة الصغيرة بجانب الفراش، وورقة مطويّة بإهمال، فتحتها بيدين ترتجفان ”
” إنني أختنق.. أختنق.. أختنق.. سأعود إلى قريتي ”
” كيف ستعود، أيها المجنون، وجواز سفرك، واسمك المزيّف معي..؟ “

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى