كتاب وشعراء

يوم بلا مبرر …..قصه قصيره بقلم/محمود حسن علي

كان سبب قدومه للمقهى جليا للغاية قبل ان يحاول استحضاره الان. كان ينقر بسبابته علي طاولة الردهة محاولا ازجاء الوقت، هم بالشرود لكنه أبى إلا ان ينتبه، بدت السماء المقفرة من فوقه كبحر مقلوب على وشك السقوط، اشاح بوجهه عنها كمن يصرف انظاره بضيق عن هوة سحيقة. لن يعبر لحظة الان بسهولة ما سيجتاز من وقت بعدها. تناهت الى مسامعه صرخات نسوة اججت ريح قوية ممصطحبة شيئا من المطر فيهن الحياء، اخذن يسترن تنوراتهن القصيرة، ثم مع بقية الناس توارين في مداخل المباني او هرعن وراء الباص قبل ان يترك المحطة. راى غطاء منضدة ردهة مقهى خارجية تتقاذفة الرياح، لكنه منسي لا يهرع لنجدته احد، بدي كعطلة مستهان بها، بسبب شقاء ما بعدها. اما هو فتامله بملامح خاوية تماما، كبيت عصافير صغير، بنافذتين وباب مغلق، في موسم هجرة الطيور.

خلت فجاة شوارع المدينة، ازداد ازدحام الردهة وبدات تتلاشى وتيرة الهدوء والسكينة مما اثقل قلبه، وكما تتفاقم الامطار في الخارج على الارجح سيزيد تاخيرها، لم يزعجه ذلك قط، لم يكن لديه إلا وقت وايام تأتي بغتة وتنجلي ببطئ شديد وبدون تبرير. سأله النادل بشكل مهذب ان كان يريد مزيدا من الشاي واستاذنه بسحب كرسي طاولته الخالي لاهدائه لزبائن تقف على اقدامها في الخارج وتشعر بالبرد. رفض طلب النادل وكثيرا من الزبائن مضو ممتعضين إزاء تمسكه بقدومها، فيقذفونه بأنظار مخزاها الوحيد انها لن تأتي، فالتقف الرسالة يا بطئ الفهم، لكن ما عليه انهم لا يعرفونها. لا يعرفون ان نصف ابتسامتها تخفي اسى او حياء شديد، وان صمتها يعني الرفض لا التاييد، انها لا تحب الهدايا، وتزرع الفلفل والزهور في شرفتها كي لا تنتظر الورود من احد، ولا تحب الاعذار، انها ستاتي حتما لكن ريح امطار البارحة طوت وافسدت مظلتها، *ستنجلي الامطار وستأتي*، كان يناجي نفسه. لكن النادل كان قد اختفى.

من المحال والمعقول الجزم انه سيراها، الا انها اتية. لكن حسد رواد المقهى وسخطهم على كرسيه الخاوي سيسحقه قبل قدومها، والكره فرصة لامعة لصب غيظ مكبوت يتحكم به غرور يملي بأنه على الطريق الصحيح. اخذ الكرسي من امامه يعادل سحب سبب تواجده في المقهى، لكن ليحترقوا في قعر الجحيم، لن يتخلى عنه حتى يدمى رأسه ويطرد كالهرر المتطفلة.  سمع همس اغنية يحبها بدات قبل ان ينتبه وها هي على مشارف الانتهاء، تكاسل الانصات لانذارات اليوم المتعددة، والكسل اعتراف بالمقدرة بدون الايمان بانها الجواب، لا الوم كل كسول، الا ان العاصفة ان ولت، وجائت امامه وجلست، وتملكته الغبطة سيكذب عليها وسيتجاهل شكه، ستعترف بشئ يعرف ذلك  كما يعرف من ينظر الى النجوم اين هو، *انا فقط وان غرها في ما اجهل، ما انا سوى سحابة ستحجب شعاع قمرها، سينقشع الليل بجماله وان كان طويل، وسترى انني لست الا جملة عليها شطبها، ولكم هذا سيؤلمني*. قال في نفسه..

رفع ذراعه فجاء النادل بتكاسل، ظانا ان تنصله هذا سيحثه على الرحيل. طلب من النادل الحساب وورقة بيضاء وقلم، نظر النادل متسائلا، وذهب يلبي مسرعا، مادام سيرحل وسيترك الكرسي فليس لديه مانع، حاول لدقيقتان الشاب ان يكتب شيئا لكن الكتابة اليسيرة بدت وكانها اصبحت نقشا بالخشب على الحديد، دفع الحساب وزاد على ذلك حساب قهوة بسكر قليل، فسر له ان امراة بفستان جميل ستاتي وتطلبها، طوى الورقة فارغة وناوله اياها ووصى به ان يهديها لها، بدى النادل مرتبكا لكن بقشيشا سخيا ارجع له ثقته بالنفس.

-سيدي لكن متى ستأتي الآنسة؟

-ستاتي بعد انقشاع العاصفة… لا تحمل هم.

غادر الشاب المقهى والعاصفة في اوجها، لكن النادل هرع ورائه قبل ان يبتعد كثيرا وسأله.

كدت ان انسى، كيف اعرفها؟.

رد عليه… -ستعرفها من نصف ابتسامتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى