كتاب وشعراء

هزيمة نص . بقلم عفيفة سعودي سميطي

نصّي ليس قصيدة ناهدة الصّدر ،ميّاسة القدّ محكمة الإيقاع ، عٓجُزُها في حضرة الشّعر العموديّ يُوازي صدرها وزنًا و في حضرة الحرّ يتماهى متجاهلا القفلات ، نصّي زفرة حرّى ، مسافة الحريق فيها تاريخ و أوطان ، لا يملك صوغ القوافي و لا الغوص في بحور الأوزان ، و لا الوقوف بين السّامعين و لا الاداء ، هو مركب مكسور يضمّ ضلوعه كلّ مساء و يرتعد كلّما ظهر وجه اللّيل محدّقا بعيون الغرقى ثمّ يلوذ محزونا بين تجاويف الصّخور الصّمّاء ، مارس الصّيد مرّات و مرّات ، و تراكمت في قاعه الشباك الممزّقة و الشّصوص الجدباء ، غيّر الدّفّة هذه المرّة و قرّر الإقلاع ….كانوا يحومون حوله ، و لم يملك سوى الاصغاء ، تغيّر منذ أن صارت المدائن الجميلة خرائب وسكنه الحقد و العداء ، عرائش الياسمين المقصوفة لم تعد تتسلّق الشرفات ، فقد دكّت كلّ الشّرفات ، احترقت تلك الحلل القشيبة التي كان يزهو بها في المجالس و ينافس بها الأعيان ، و غدا يمضغ لحاء الشّجر مثل تيس عجوز منهك فقد نكهة البقاء ، نصّي مشوّش رغم قريحة البناء ، رغم إلحاح الغناء ، و رغم تراتيل الحداء ، قوافلي تشتّتت و مات الحادي مطعونا في عمق الصّحراء ، لا أجيد السّير بين الحروف فبوصلتي جثّة هامدة يمتصّها الرّمل و تسودّ حولها الدّماء ، لا أجيد الرٌقص مذبوحا فأنا عربيٌ ياخذ بالثٌٰأر و يرفض التدجين و قتل لغته و اغتصاب أرضه و الهواء ، أنا من أسلم و حطّم الأصنام و ركع معتذرا عند أقدام النّساء ثمّ رفع مقاماتهن إلى عنان السّماء ، أنا من فكّ السٌلاسل عن المعاصم السّوداء و أنهى في أسواق النّخاسة مهزلة البيع و الشّراء ، أنا من جنح للسلم عند القوّة و خفض من جناح الذلّ جناح الرّحمة للكافر و للمؤمن على حدّ سواء ، أنا الرّسالة التي حرّفها سعاة البريد و أصبحوا بعدها خلفاء ، فكيف لي بالغناء ، نكبتي كبيرة و أنّى لي بمفاصل الحقيقة حتّى أستعيد لذّة الإنشاء ، حولي هذا العالم يضخّم عقدتي و و يعمّق في صدري الدٌاء ، بيني و بينه مسافات ضوئيّة و يطحن ضلوعي هذا العجز المقيت و استحالة الارتقاء ، أين كنّا و قرون النّهضة تبعث بالانبياء ، من أمام عدسات المجاهر يحدّقون في عظمة الكون و يفتحون عوالم الكيمياء و الفيزياء ، و الفلسفة من أثينا تتربّع في أوروبّا و تصوغ العالم بأجرإ الرّؤى ، آه يا نصّي ، كم تبدو هزيلا شاحبا منهكا من كثرة اجترار الماضي و الوقوف على الأطلال و البكاء ، آه يا ّصٌي تبتلعني البؤر المفتوحة في جسدك و يرعبني حجم الاشلاء ، احاول ضمّها و تغسيلها و الصلاة عليها بصوت مؤمن خاشع لكن يهزمني القهر و يراودني الكفر و أجزع من الرّدّة و أجنح لك يا ربّي فلا تذرني في هذا العناء ، دمي مباح و ابن ملّتي يهدره و يقتنص روحي عند كلّ غفلة و لم يعد ينفعني الاختباء ، مللتُ الهراء ، و الخطب العاهرة ، و كرهت عيون السّاسة الخبيثة و تلك الحدقات الفارغة المحدّقة في سطوري و النّاظرة في مسألة حذفي من خارطة الانتماء ، كرهتٰ أعجازهم و هي تتمدّد فوق ضلوعنا تهرسها بأمر من سادة العالم الأقوياء ، يا سادة العالم ! يا نتاج الحضارة و النّرجسيّة حذار من تلك الطّاعة العمياء ! لا تفعّلوها فهي الخراب و الوباء ، تلك الاعجاز المستلبة و التي كانت تُجلد و تٌغتصب و تغوص فيها الأسياخ و القوارير المكسورة التأمت جروحها و تناست صفع الاسفلت و أدفاها مخمل الكراسي الخضراء ، كبرت و سمنت و استثمرت ذاك الضّيم و قايضت به و دون خجل وجه الوطن و عرق الفقراء ، يا للعار ! و نُحقّر العاهرات ؟ ! عند بيعنّ لأعجازهنّ لم يكنّ حُبْليات بقضايا الوطن ، كنّ مجرّد عذراوات فتح الحبّ و الفقر مدائنهنّ و جنحن لغرف اللذّة الحمراء بعد أن أقفل عليهم باب العودة مارد الإقصاء ، كيف لي يا سادتي بالغناء ؟ أنا نصّ أبكم ، حنجرتي فجّرها لغم و صوتي خرّبته القذائف و حروفي الرّضّع بُتِرت أمامها الأثداء ، موطني أضحى تحت الأنقاض و فوقي هديرُ الجرّافات يصدّع راسي المهشّمة ، صوت المعدن يطنّ و بيني و بينه أطنان من الصّخور الصّماء ، من ذا الذي سيلتقط صريخ حرف مدفون و دويّ المدافع يقطع عليه سبل الإصغاء ، تدكّ بشهوة مسعورة بيوتا لم توقد يوما فتيل حرب ، عدا جمر الشّاي و القهوة و مغلّى الينسون و الإكليل و الزعتر و الأعشاب الفيحاء ، تفوح روائحها و تمضي من النّوافذ إلى الفضاء ، مسالمة تحاكي عطر الجبال و الغابات الغنّاء ، و عدا فحم الحطب المشتعل تحت طاوات الطّين يصهر رقاقات العجين فتفوح رائحة الخبز النّاضج ممزوجة بعبق النّساء ، دبالج و أساور الفضّة و عقود الكهرمان و المرجان تطلق أجراسها كلما مالت أعناقهنّ و كلّما تحرّكت أذرعهنّ المزروعة أوشاما خضراء تحرّك الجمر و تُلهب النّار ، بكامل تراثهنّ محمرّات الخدود مسمرّات الجلود مخضّبات الأكفّ و الأقدام بالحنّاء ، أنا النّصّ الذي كتب عن فتنة النٌساء ،و غاص في غرف النّوم الدّافئة و كشف عن خجل الحبّ و فطرة العشق و حزن الشّفاه الحمراء ،أنا النّصّ الذي جابه سطوة الذّكور و جمع حبّات الخرز المبعثرة تحت الأسرّة و غلالا ت النوم الممزّقة و الملاءات الملطّخة بتاريخ الفضّ العنيف ثمّ رحل بعيدا إلى منافي الشّقاء ، فوق خرائب القلاع عشّش مع البوم ، و تعلٌم النّعيق و التٌحديق في الليالي الظّلماء ، أنا الذي تنصّل من شرف النٌهار ليندسّ مع الخفافيش فقط ليكتب عن تغسيل الموتى و كيفية لفّهم بالأكفان حتى حتّى لا يُهرق دمي عند نواصي الشوارع و في المفترقات ، أنا الهارب المفزوع ، تطاردني كوابيسي الثّقيلة و تصدّعني صفّرات الإنذار ، ترعبني الخناجر الغادرة و تخيفني المساحيق الفجّة ، و هذان الوجهان وجه الجوكر و لفرانكشتاين يبرزان من بخار الجثث المتعفّنة ، يعودان من جديد ، النّصّ يتبرّج بشخوص منذرة بغابة حمراء …نصٌي المنزوي خلف الخرائب يتحسّس ضلعه المكسور ، لا بد من الجدف بين الجماجم لالتقاط لغة الموتى و قتل الخوف الملعون ، أضمّ ضلعي و أجمع شباكي و شصوصي الجدباء ، أرفع سارية حمراء ، ادفع مركبي في تلك اللّجج ثمّ أقفز تاركا خلفي أزيائي الباهتة الحقيرة ، أقف في الظٌلمة ، هدير المحيط البعيد يرجف صدري المكسور ، بلا قمر ، بلا بوصلة أبحر ، أصغي بسمع مرهف لحفيف أنفاسي ثمّ فجأة التقط ذاك الصوت الذي دفنه الصّخب ، لا أدري إن كان صوت عروس بحر تجرّب الغناء ، أو صوت شهرزاد أو حوّاء ، أدركت فقط أنّها تحرّرت من أسرها و عادت لي لنعيد معا صوغ حكاية جديدة ، متينة البناء ، نمارس فيها طقوس الخلق و لذّة الإنشاء و نقلب الاوراق و نثوّر رسائل الانبياء ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى