رؤى ومقالات

نسيم قبها يكتب :ليبيا والإصبع الأمريكي قراءة في مخرجات الحوار

تم التصويت داخل ملتقى الحوار الليبي في جولته الأخيرة الذي شكلته الأمم المتحدة من 75 عضو بينهم 13 من أعضاء مجلس النواب، ومثلهم من أعضاء المجلس الأعلى للدولة، وعدد من الأوساط القبلية والسياسية المختلفة في جنيف يوم 5 شباط/فبراير الجاري عن فوز القائمة الثالثة التي يرأسها محمد يونس المنفي من “الشرق”، وعضوية موسى الكوني من “الجنوب”، وعبد الله اللافي من “الغرب”، ورئيس الحكومة عبد الحميد دبيبة من “مصراتة”.
فيما خسرت القائمة الرابعة التي يتزعمها عقيلة صالح وعضوية عبد المجيد سيف النصر عن الجنوب، وأسامة جويلي عن الغرب، وفتحي باشاغا كرئيس للحكومة. حيث فازت قائمة الدبلوماسي الليبي المتحالف السابق مع حزب العدالة والبناء (الإخوان) محمد المنفي ورجل الأعمال عبد الحميد دبيبة بـ 39 صوت، مقابل 34 صوت لمنافسيهما رئيس برلمان الشرق عقيلة صالح، ووزير الداخلية في حكومة الوفاق فتحي باشاغا.
ومن المقرر أن تتولى القائمة الفائزة بالتصويت، إدارة شؤون البلاد مؤقتًا، حتى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في 24 كانون أول/ديسمبر 2021.
وقد أعقب هذه النتائج تأييد إقليمي ودولي، وكافة الفرقاء في الداخل الليبي مثل حكومة السراج في طرابلس، ومجلس نواب طبرق الذي يرأسه عقيلة صالح والذي تعهد بـ “دعم عمل الحكومة”.
أما الولايات المتحدة فقد دعت إلى “ضمان تسليم سلس وبناء لكافة الاختصاصات والواجبات إلى السلطة التنفيذية الجديدة”، متعهدة بـ “محاسبة من يهددون الاستقرار أو يقوضون العملية السياسية في ليبيا”. كما رحب بالاتفاق كلٌّ من الأمين العام للأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، والدول الداعمة لخليفة حفتر.
ولفهم ما تمخض عن لجنة الـ 75 المكلفة بانتخاب المواقع القيادية في الدولة والتي أفرزت محمد المنفي رئيسًا لمجلس الدولة، وعبد الحميد دبيبة من مدينة مصراتة رئيسًا للوزراء، لا بد من إدراك أن جميع المرشحين لرئاسة الحكومة قد تعهدوا خطيًّا بالالتزام بخارطة الطريق المتفق عليها في تونس، والتي تتضمن معايير اختيار شاغلي المناصب القيادية في السلطة التنفيذية الجديدة؛ وهم رئيس المجلس الرئاسي ونائباه ورئيس الحكومة، وتوحيد السلطة التنفيذية المنقسمة منذ عام 2014، والشروع في تطبيق حزمة من الإجراءات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية تنتهي بانتخابات وحكومة دائمة في كانون أول/ديسمبر القادم.
كما لا بد من إدراك أن المهمة المنوطة بهذه السلطة هي مهمة مؤقتة ولا يحق لمن يتولاها الترشح لأي منصب في المرحلة القادمة. وهو ما أكدت عليه الممثلة الأممية ستيفاني وليامز، وهو العمل على المسارات الخاصة بـ (إجلاء القوات الأجنبية) و(التحديات الداخلية الليبية)، وأن ما تسفر عنه عملية التصويت إنما هو “سلطة تنفيذية مؤقتة ذات اختصاصات محددة، ومهمتها الأساسية إجراء انتخابات (رئاسية وبرلمانية) في 24 كانون أول/ديسمبر 2021”.
وبالنظر إلى أن السلطة المنتخبة هي سلطة مؤقتة ومقيدة بأجندة محددة سلفًا بـ “خارطة الطريق” (إجلاء القوات الأجنبية) ومعالجة (التحديات الداخلية) وفق مخرجات مؤتمر برلين المتفقة مع الرؤية الأميركية التي طُرحت في مجلس النواب الأميركي تحت اسم “قانون استقرار ليبيا”، وبالنظر إلى أن الكتلة الفائزة في الانتخابات هي الكتلة المقبولة من قوى الغرب الليبي، فإن استبعاد عقيلة صالح وعصابته في الشرق الليبي، وفتحي باشاغا في الغرب الليبي، الذين تراهن عليهم الولايات المتحدة في المستقبل، واستبعاد قيادات الصف الأول والشخصيات الجدلية في ليبيا بمن فيهم رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري من الواجهة السياسية من القيادة في هذه المرحلة، وتصوير السلطة الجديدة بأنها حكومة تكنوقراط؛ إنما يريدون خداع أهل ليبيا سيما في طرابلس ومصراته؛ لتمهيد الطريق أمام القوى “الخاسرة” وتمكينها في المرحلة المقبلة والدائمة بعد انتهاء مهمة الرئاسة والحكومة المؤقتة من احتواء القوى الداخلية ولجم القوى الخارجية، وبخاصة وأن معايير اختيار رئيس المجلس الرئاسي قد أسندت المنصب الأعلى إلى الشرق ومنحت نائبيه للغرب والجنوب، وحددت منصب رئيس الوزراء بشخصية من الغرب؛ وذلك أن المشكلة الرئيسة تكمن في قوى الغرب الليبي، ومواصلة أهل المنطقة الغربية الرفض والانتفاض، وانتشار السلاح والانفلات الأمني، الذي يحول دون تحكم موالي الولايات المتحدة بالدولة، ويؤثر على استقرار مصر وتونس والجزائر ومنطقة الساحل والصحراء، وهو الأمر الذي يحتم السير في تدجين الشعب وتيئيسه والعمل على احتواء أهل الغرب الليبي وفصائله المقاتلة، وإنهاء النزاع على يد ممثلين منهم.
حيث تعهد رئيس الوزراء المنتخب عبد الحميد دبيبة في كلمة وجهها إلى أعضاء الملتقى، عبر الفيديو، بـ “إنهاء النزاع”، و”إجراء الانتخابات على أسس ديمقراطية”، و”العمل مع الجميع باختلاف أفكارهم ومكوناتهم وأطيافهم ومناطقهم”، و”حل مشكلة الكهرباء والسيولة”، و”حصر السلاح في يد الدولة”، و”تطوير العلاقات مع دول الجوار”. وبالتالي فإن المستجدات لا تعبّر عن تغيير في قواعد اللعبة بقدر ما هي التفاف أميركي على معطيات الواقع الذي أوجدته عبر رجالاتها لاحتواء الحراك الشعبي، وعبر إدخالها للقوى الدولية والإقليمية لتأجيج التنافس والخلافات بينهم؛ وذلك بعد أن استنفدت مبررات ذلك كله، وصممت آلية تُعيد من خلالها الشخصيات التي تريدها إلى الحكم بتوافقات سياسية وشرعية “شعبية” يشرف عليها محمد المنفي “المتلون”، الذي كان مؤيدًا للقذافي أثناء دراسته في فرنسا، والذي تحالف مع حزب العدالة والبناء “الإخوان”، وتحالف مع القوى الوطنية بقيادة رجل أمريكا محمود جبريل. ويشرف عليها أيضًا عبد الحميد دبيبة أحد منتفعي نظام القذافي سابقًا وأحد الداعمين لحزب “العدالة والبناء” والفصائل المقاتلة، باعتبار أنه بمعية محمد المنفي وجهان “نظيفان” لم يتلوثا بالفساد، ولم يخوضا في النزاع الدامي بين الشرق والغرب في عامي 2019 و2020.
وهذا ما يفسر الترحيب الدولي بمن في ذلك مصر وفرنسا واليونان الداعمين لحفتر وعقيلة صالح، ويفسر وصف ستيفاني للعملية الانتخابية في ضواحي جنيف بأنها لحظة تاريخية.
ومن المتوقع أن تُحصن الولايات المتحدة الحكومة الجديدة بقرار من مجلس الأمن ضد التدخل الخارجي والعراقيل الداخلية، وهو ما طالب به رئيس الحكومة المنتهية ولايته فائز السراج.
ومن المتوقع أيضاً أن يعمل عبد الحميد دبيبة على احتواء قوى الغرب في طرابلس ومصراته وإدارة العلاقة مع تركيا وتحديد مهمتها، فيما يتولى المنفي والكوني إعادة إنتاج قوى الشرق والجنوب الليبي، ومن ذلك لجم الطموحات الشخصية لخليفة حفتر وتوحيد المؤسسات واحتواء قادة المجموعات المسلحة، وضم منتسبيها إلى المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، وتشكيل قوات نظامية، واحتكار السلاح للدولة، وبسط السيطرة على المجتمع، بما في ذلك الطوارق الذين تحرضهم فرنسا على الانفصال في الجنوب، وتحجيم التدخل لكل من فرنسا وروسيا وتركيا، والعمل على رعاية المرحلة الانتقالية وإيصال البلاد إلى الاستحقاق الانتخابي.
وهذا ما أثار انزعاج ماكرون ودعاه إلى المطالبة بإخراج تركيا لجنودها من ليبيا عقب اتفاق القوى الليبية وتلقيه ردًا حازمًا من قبل أردوغان.
وكما هو ظاهر فإن مسار الوضع في ليبيا يتجه نحو تحجيم كافة القوى الخارجية من خلال فرض الولايات المتحدة التوافق بين الأطراف المتنازعة لإقرار الوضع الداخلي وسد ذرائع التدخل الخارجي وإدارة النزاع في شرق المتوسط، رغم ما بين الأطراف الليبية من خلافات جهوية وأيديولوجية عميقة يغذيها التنافس الإقليمي، والمحاذير المتعلقة ببقاء “الإسلاميين” في المشهد وأثره على أنظمة المنطقة والتحالفات الإقليمية.
ويدل على ذلك تأمين مبعوثة الأمم المتحدة تولي الحكومة مهامها سواء منح مجلس النواب الثقة للحكومة أو حجبها؛ لأن “خارطة الطريق” التي أصرت عليها المبعوثة الأممية ووضعتها في منطقة محرمة قد عالجت هذه المسألة عبر آلية فض النزاع وهي العودة إلى ملتقى الحوار السياسي للتصديق على الحكومة في حال التنازع حولها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى