ثقافة وفنون

Beanpole: أسوأ ما في الحرب.. سواء كنت منتصراً أو مهزوماً فيها.. هو ما يحدث بعدها.!

كتب :خالد عاشور

كثيرون هم من كتبوا عن النصر في الحروب.. وكثيرون هم أيضاً من كتبوا عن الهزيمة.. جميعهم كانوا رجالاً يتحدثون ويكتبون بصوت رجالي.. فالحرب يصنعها الرجال بامتياز.. ويجني ويلاتها ومصائبها النساء بكل ما فيها من قبح.
قليلة هي الأفلام التي رصدت نتائج الهزيمة في الحروب وتحدثت عن معاناة المراة بعدها وكأن المرأة نكرة لا دور لها فيما نتج عن رعونة الرجال.. وكأن الرجال ذاتهم يتجاهلون ما ينتج عن زيادة هرموناتهم الذكورية التي تقهر المرأة كروح قبل ان تستغلها وتغتصبها كجسد.. فالمراة هي الضحية الأشد آلماً وهزيمة بعد سقوط المدن المتحاربة.. واذا كانت المدينة (كمكان) هي الأنثى الرمزية الأولى التي تتعرض للهزيمة.. فأن المراة (كجنس) الأكثر ضررا من المكان في الحقيقة… تناولت السينما هذا بصراحة كما حدث في الفيلم الألماني (إمرأة في برلين 2008 – A Woman in Berlin) تناول الفيلم معاناة النساء واغتصابهن في المانيا بعد هزيمتها وسقوطها تحت الاحتلال السوفيتي.. ثم جاء في عام 2019 الفيلم الروسي الأكثر صراحة وصدمة ووجعاً فيلم “Beanpole”.. الفيلم لمخرج روسى شاب اسمه (كانتمير بالاجوف) يكشف فيه الغطاء عن معاناة النساء في روسيا المنتصرة لا المهزومة كالمانيا.. والوجه الوحيد الثابت في كلا الفيلمين ان المرأة سواء كانت البلاد منتصرة او مهزومة فهي الضحية الأولى والأخيرة لتلك الحروب.
“ليس للحرب وجه أنثوي”
الفيلم مأخوذ عن كتاب “ليس للحرب وجه أنثوي” للكاتبة البلاروسية (سيفيتلانا أليكسيفيتش) والذي كتبته خلال فترة الثمانينات بعد اربعين عاما تقريباً من انتهاء الحرب العالمية الثانية الأكثر وحشية في تاريخ البشر.. كتبته عن حكايات البوح للنساء الروسيات اللائي يروين فيه عن هزائمهن الشخصية وانكسارتهن الداخلية بعيدا عن هرمونات الذكورة المتغطرسة بالأنتصار المغلف بالهزيمة الداخلية للمجتمع.. والذي نجح فيه باقتدار المخرج الروسى العبقري كانتمير بالاجوف حيث البطلة (إيا أو Beanpole ) والتي ادت دورها الممثلة الروسية (فيكتوريا ميروسيتشينكو) وتعمل ممرضة في مستشفى عسكري في مدينة لينينجراد.. مهد الصناعة وقبلة الشيوعية ويحمل اسمها اسم لينين ذاته والتي كانت هدفاً لمدفعية الألمان حتى سقطت.. اغتصبت لينينجراد على يد المحتل الألماني الخارجي.. واغتصبت بعد الأنتصار والتحرر النساء الروسيات على يد المحتل الداخلي الأشد ضراوة من المحتل الخارجي.. Beanpole والتي تعني العصا الطويلة التي توضع جانب الأشجار الصغيرة او اشجار اللبلاب لتتسلق عليها لتنمو والتي امتلكت اللقب من طولها الواضح والمصابة بـ”Catatonia”.. وهو مرض نفسي نتج عن اصابتها بارتجاج في المخ اثناء القتال في صفوف الجنود الرجال.. خرجت منه باشد الأمراض النفسية غرابة حيث التخشب حد الموت.. الموت حيا.. نجح في المخرج (كانتمير بالاجوف) في عرض حالاتها دون مبالغة كما يحدث في السينما المصرية حيث المبالغة في اظهار المريض النفسي… الأشد ألما في الفيلم ذلك المشهد الذي جائتها فيها حالة التخشب أو الـ”Catatonia” وهي تلاعب الطفل الصغير (باشكا) ابن صديقتها (ماشا) الذي تركته لها لتلتحق بصفوف المجندين لتقتات لقمة العيش من عضوها السفلي الذي لا يرى الرجال غيره.. هذا المشهد وحده وقدرة المخرج على توظيف طفل صغير لأداء مشهد صعب كهذا فيه من الابداع ما يحتاجه مخرجي العالم العربي.. المشهد مؤلم وصادم وحقيقي دون مبالغة.. السينما الروسية تشبه الأدب الروسي.. حيث التركيز على الوجع كتيمة أساسية للاستفاقة والتطهير.
تأتي العلاقة الغرائبية بين الصديقتين (إيا أو Beanpole) وصديقتها (ماشا) لتكرث لدى المشاهد نوعا من الحميمية.. ليست الحميمية فقط.. المراة حين تتعري مشاعرها لتراها كأنسان لا مجرد جسد مشتهى من المشاهد.. دور (ماشا) تفوق في الفيلم عن دور (إيا) يأتي هذا التميز في تقمص دور الأنثى التي تعاني اضطراب ما بعد الصدمة.. فاذا كانت (إيا) مصابة بمرض الفصام التخشبي أو “الكتاتونيا”.. فأن (ماشا) مصابة بفصام ما بعد فقدان الرحم.. والمراة – أي امرأة – انزع عنها الأمومة ستتحول الى كائن لا ماهية له ولا كينونة.. مجرد روح تسكن جسد انثى يمتلك تضاريس جغرافية مستباحة دون ارادة.. ورغم ان الاخراج بعين ذكورية للمخرج (كانتمير بالاجوف) إلا ان مديرة التصوير كسينيا سيريدا نجحت في نقل الحالة الأنسانية ومعاناة بطلتي الفيلم حيث الأضاءة في معظمها باهتة يسودها اللون الأصفر المريض.. يتخللها الأخضر الزاهي كالأمل.. وكلنه امل كاذب تجسد في قصة الحب الفاشلة بين (ماشا) والشاب الأرستقراطي ابن الطبقة المستفيدة من الحرب والمتاجرة بألام من شاركوا فيها كشخصية والدة حبيب (ماشا) الشاب (الكساندر) التي ذهبت للمستشفى تستعرض ارستقراطيتها في الهداية التي تقدمها لمصابي الحرب فوقف احد الجنود يصفق لها بهستيريا.. ولما سألته الممرضة (إيا) لماذا كنت تصفق.. رد: كنت انتظر الهدايا لا اكثر.. كانحطاط الأنسان واستغلاله القبيح بان يقود من لا يريد الى خوض ما لا يحب ليموت نيابه عنه ككلب سلوقي اجبر على اصطياد فريسة لمربية لن يأكل منها اسقطها المخرج في ذلك الكلب الذي تجره والدة الكساندر… وذلك الجندي المشلول الذي طلب ان يتم حقنه بحقنة ليموت هربا من الحياة عاجزا وفقده للأمل ومشهد (ايا) وهي تحقق له امنيته الأخيرة في تدخين سيجارة.. المشهد مؤلم للغاية لا يقل الما عن مشهد قتل (إيا) للطفل (باشكا) لأبن صديقتها ماشا.. أو حتى مشهد ممارسة (ايا) للجنس مجبرة مع الضابط امام صديقتها كي تحمل منه لتعوضها عن طفلها الذي قتلته دون ارادة منها.. وكأنها تحقق كونها بالفعل مجرد حامل يتسلق عليه نبات آخر لينمو.
“ليس ضروريا أو مهما ان تحارب من أجل بلادك للدفاع عنها لكونك وطنياً أو غير ذلك.. أنت في الغالب تحارب للدفاع عن نفسك أولاً خوفا من الموت.. قبل كل شئ.!”
الفيلم لا يؤرخ لما بعد الحرب بل يؤرخ لعواطف ومشاعر واحاسيس وانكسارات انسان ما بعد الحرب.. وهذا الأكثر فزعا.. ان تكشف عن نفسية المهزوم داخليا.. وليس هناك اشد ألما من ان تكشف عن مشاعر انثى.. فالأنثى بطبيعتها كتلة من المشاعر والأحاسيس تشبه الى حد كبير حقل من الألغام.. لا تكن غبيا وتدهس مشاعرها حتى لا تنفجر في وجهك..! وجميعنا كرجال.. أغبياء فيما يخص ذلك.!!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى