كتاب وشعراء

أصابع بلا هوية….قصة …بقلم/صلاح الحقب

أصابع بلا هوية

وقف ذلك الرجل العجوز على بعد مسافة بعيدة من القرية التي كان يقصدها بمجيئه من أعالي الجبال ، هذه القرية التي تضم سوقا واسعا ، يتوافد إليه القرويون من 45 قرية مجاورة .
نظر في البعيد وهو يظلل بيمينه عينين شاخصتين أرهقها السفر _مشيا على الأقدام _ وبشماله يمسك فأسا عتيقا صدأت أطرافه ، كان ثمة غبار كثيف على بعد مسافة قريبة ، لمحه فاستبشر بقدوم سيارة أوصلته إلى غايته .
أخذ يتلفت يمينا وشمالا كما لو أنها المرة الأولى التي يدخل بها هذا السوق.
سألَ أحد الباعة ” وين يوزعوا الإغاثة؟”
أجابه البائع ” هذي المرة مافي إغاثه بس يجيبوا بدلها بيس؛ روح استلم بيسك ” وأشار له نحو أسفل السوق .
يا لسوء الحظ!
كان عليه أن يسرع قليلا ، فأمامه مئات من القرويين يصطفون لذات الغاية،وقد ينتهي اليوم قبل أن يصل دوره .
أخذ مكانه في نهاية الطابور وفي يده بطاقة منحتها المنظمة للقرويين ليحصلوا على إغاثتهم نهاية كل شهر .

بعد ساعتين ، اقترب من بوابة المركز ، أمامه رُجلين فقط وخلفه الكثير ، تنحى قليلا عن الطابور وأخذ ينظر بغرابة للجهاز الذي على الطاولة .
جاء دوره أخيرا ، وقف أمام الطاولة ، والموظف يتأمله بصمت . وجه أسمر لفحته الشمس أزمان طويلة ، عينان شاخصتان ، لحية بيضاء لبثها التراب، وعصبة رأس عتيقة ، وثياب شديدة الإتساخ علقت عليها أجزاء صغيرة من أعشاب تنبت في الوديان .
“أهلا يا والد ، هات بطاقتك الشخصية وبطاقة المنظمة لو سمحت ” قالها الموظف بابتسامة صغيرة.
مد إليه الرجل ببطاقتيه ، و وقعت عين الموظف على يده المليئة بالنتوء ، كأن حرب هذا البلد خُلقت بين كفيه وما تزال على ظهرها ، لا شيء ينقص صورة اليمن المدمى في جراح أطرافه ،حتى الدخان على أصابعه بدا ، ولست تدركه من سيجارة بالقرب بل يذكيه الخيال دخان حرب وخراب .
نقل الموظف بيانات الرجل ولم يتبق غير البصمة، مرحلة أخيرة قبل استلام النقود. وضع الرجل إبهامة على صفيحة زجاجية مضاءة ، لم يتعرف الجهاز على بصمته رغم كل المحاولات ، وكذا عشر أصابع أخرى ، طمست هويته من أصابعه ، وساء هذا الأمر البقية من الناس الذين ينتظرون دورهم وقد تأخر هذا العجوز واحتج الجميع طالبين منه أن يتنحى جانبا .
اغتم ذاك العجوز وتنحى عن الطابور ، بينما الموظف الآخر منحه قطعة صابون وماء كي يغسل أصابعه على أمل أن يجد الهوية التي محاها الكد في تلك الجبال .
انتهى دوامهم بعد الظهيرة ، وغادر ذاك العجوز وفأسه معه .

في الصباح عاد مرة أخرى ، وجرت المحاولات نفسها ، تمكن الجهاز أخيرا من التعرف على بصمته ، تبسم الموظف وابتهج العجوز ، ولكن سرعان ما تلاشت بسمته وهو يلمح رجلا حاملا كاميرا يوجهها صوبه ويلتقط الصور .
أخذ النقود وهو يفكر بالأمور التي سيشتريها.
عد نقوده ، كانت أثنا عشر ألف ريال فقط!
اغتم وجهه، وشعر بالأسى .
ذهب لأحد المتاجر محتارا فيما سيشتريه لعائلته الكبيرة .
عند الظهيرة والسماء ملبدة بالغيوم ، حَمَلَ على كتفه نصف كيس “دقيق” اشتراه بتلك النقود ، ومضى نحو قريته ، تابع طريقه إلى أن نال منه التعب، وقف على حافته على أمل أن تمر سيارة بهذه الطريق ، فتحمله وكيسه إلى قريته.

لم تمر غير سيارة وحيدة باتجاه معاكس لوجهته ، لمح على متنها ذلك الرجل الذي كان يحمل الكاميرا ويلتقط الصور أثناء استلام النقود .
لم يفكر بما يعنيه رمز WFP وهو يلمحه في باب السيارة ، ولكنه يدرك أن من فيها يتبعون الجهة التي تأتي بالإغاثات، فهم يبتسمون على الدوام ، ولا يشبهون أهل هذه القُرى.
يأَسَ انتظاره وأربكته الرعود ، فحمل كيسه على كتفه وتابع طريقه وهو يخشى المطر الذي كان قد بدأ في الهطول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى