الثلاثاء , مارس 2 2021

د. نيفين عبد الجواد تكتب :الصبر مفتاح النصر

“فدعا ربه أني مَغلوبٌ فانتصِر”، كانت تلك الآية الواردة في سورة القمر في القرآن الكريم هي البشرى اليقينية لكل تقي يؤمن بالله ويعمل صالحًا داعيًا الناس إلى الخير وإلى الاستقامة وناهيًا المتكبرين عن المنكر والبغي، فإذا لم يجد منهم سوى البطش والطغيان، فإنه لا يستسلم أو ييأس بل يصر على مواصلة طريق دعوته حتى منتهاه.

المطلوب فقط هو الإسراع باللجوء إلى الخالق باستمرار طلبًا لمعونته، ثم عدم استبطاء إجابة الدعاء وتحقق النصر؛ فكل شيء عنده بمقدار وما دام هناك إيمان يقيني بأن الأمر كله بيد الله، وأنه إليه يُرجَع الأمر كله، وأنه وهو وحده القادر على كل شيء فلابد من الصبر المصحوب باليقين والرضا، فذلك الصبر هو صبر الأقوياء الصامدين وليس هو الصبر الممزوج بالانكسار والضعف والخالي من أي أمل والذي يفقد معه صاحبه كل حيلة له وقوة فيستكين بلا حراك ويخضع طواعية مُعلنًا هزيمته قبل بدء أية معركة.

فإذا كانت هناك مسارعة في طلب العون مع توفر اليقين بمقدرة الخالق على المعونة وعلى إجابة دعاء من يدعوه لاجئًا إليه يستنصره ويستغيث به وحده، فحتمًا ستكون التلبية سريعة فيبدو النصر وكأنه قد وقع قبل حتى أن يبدأ في التحقق على أرض الواقع.

 ولمَ لا وهو وحده يسمع أنين الصامتين ويرى ما ألمَّ بهم من ألم فلا تكن لديهم حاجة إلى التفوه بأية شكوى طالما هو معهم أينما كانوا. وهل كان نبي الله “نوح” إلا عبدًا صابرًا صبر على قومه لعدد من السنوات كبير جدًا يفوق أية طاقة للصبر لدى أي إنسان؟ وهل كان تنكيل قومه به إلا بعد تدبير وتخطيط مُحكَم من أجل التخلص منه والقضاء على دعوته؟ وبرغم ذلك كانوا هم المغلوبين وكان هو المنتصر نصرًا عزيزًا لا يملك القدرة عليه أي  بشر ولا يتمكن من تحقيقه أي إنسان.

وهكذا كانت البشرى بالنصر سابقة لأسبابه ولأي تفاصيل له؛ لأن من بَشَّر به هو وحده المجيب لدعاء عبده، وهو وحده الذي إذا أراد شيئًا إنما يقول له كن فيكون. وطالما أنه سبحانه قد قضى بنصر أنبيائه ونصرتهم فهي ليست إذن سوى كلمة واحدة هي “فانتصِر”، فتكون هي البشرى لمن صبر واتقى، وتكون هي القاصمة لمن طغى وتجبر.

فهل حقًّا آيات القصم والإهلاك كانت رادعة لكل طاغية على مر الزمان، أم إنها لم تُذكِّر فقط سوى من يخاف مقام ربه فيخشى أن يفسد في الأرض أو أن يبغي فيها عُلوًّا بغير حق؟

وما دام هناك من يعتبر، وهناك أيضًا من على بصره غشاوة وفي أذنيه وقر وتم الختم على قلبه فأصبحت جوارحه أدوات استقبال جامدة بلا روح أو حياة، فإنه ستظل هناك الحاجة إلى الصبر حتى يتحقق النصر. ولأن النصر الحقيقي لا يكون من نصيب الخاملين والكسالى والضعفاء بل هو قرة عين كل من كافح واجتهد وضحَّى وبذل، فإنه لا يناله سوى قلة قليلة جدًا من بين المؤمنين، وهم أولئك الذين صدق إيمانهم وقويت عزائمهم فوقفوا بثبات في الصفوف الأولى دون خوف أو جُبن؛ ولأنهم اختاروا أن يكونوا في المقدمة كان لابد أن يكونوا هم أول المبشرين بفرحة النصر وأول الفائزين بثماره.

وأهم ثمار نصر الخالق لعبده الصالح والمؤمن إيمانًا يقينيًّا به ليست هي النصر في حد ذاته، بل هي ما يغنمه العابد الصالح التقي من قربه من الله، وما يتلذذ به من وجوده الدائم في معيته، وما يمنحه ذلك من شعور متجدد بالطمأنينة والسكينة فيرى بفؤاده ما لا يراه الآخرون بأعينهم، ومن ثم يتحقق ما يفوق النصر ألا وهو المكاشفة التي هي بصيرة المتقين الصابرين ومغنم الصالحين القانتين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: