الجمعة , مارس 5 2021

قراءة في جدلية العلاقة بين المستشار والعون/الإطار البلدي : عن المستشارين البلديين واليهم . بقلم محمد سلايمية

 

تكتسي تجربة السلطة المحلية (البلديات) في تونس اهمية بالغة لدى كثيرين، على اعتبار انها اول تجربة ديمقراطية شفافة ونزيهة في الجمهورية الثانية، تكرس السلطة الفعلية للبلديات في تقرير مصيرها ورسم سياساتها التنموية ضمن حدودها الجغرافية المحددة بالقانون او ضمن شراكات تبرمها مع البلديات الاخرى بعيدا عن تدخل المركز واحتكاره للسلطة المطلقة طيلة عقود. واذ يعتبر تنظيم الانتخابات البلدية في 6 ماي 2018، نجاحا وتتويجا لمسار انطلق من خلال مداولات المجلس الوطني التأسيسي،  انتهى بتضمين الباب السابع في الدستور المتعلق بالسلطة المحلية ورؤية جديدة في ادارة الشأن المحلي، تكون فيها لمتساكني البلدية عن طريق ممثليهم المنتخبين السلطة الكاملة في تسيير بلديتهم والتصرف في مواردها.

ولئن كان اصدار مجلة الجماعات المحلية[1] نصرا آخر في مسار تفعيل اللامركزية فإن التجربة بكافة مكوناتها وعلى حداثة سنها لم تستوعب بعد روح مجلة الجماعات المحلية، فظلت متعثرة وتقدمت ببطء شديد في أحيان كثيرة على أنها مرت بسرعة شديدة حد الجدل وتباين وجهات النظر والصدام متجاوزة ما أوكل لها من مهام في أحيان أخرى.[2]

سبق وتناولنا بالدرس في كتابنا الأول[3]عديد الجوانب المتعلقة بالعمل البلدي، بدءا بالتقسيم الإداري للمجال والأطراف المتدخلة من سلط مركزية، جهوية ومحلية وصولا للبلدية والمستشار البلدي كركيزة للتنمية المحلية، إلا أننا أهملنا عمدا لا سهوا تقييم التجربة ككل تجربة البلديات في ظل المجالس البلدية المنتخبة[4] وتلافينا الحديث عن واقع التجربة من خلال الممارسة الى حين انقضاء سنتين من العمل البلدي في ظل المجالس البلدية المنتخبة وذلك منذ صدور النتائج النهائية[5] الانتخابات البلدية في 13 جوان 2018 الى غاية 13 جوان 2020 تاريخ اتمام السنتين، وذلك إيمانا منا أن التجربة تحتاج وقتا كافيا ونفسا طويلا، يقدره البعض بعقد من الزمن على الأقل حتى تخضع التجربة ككل لتقييم موضوعي ولسان حالي يقول ما أشبه هذا العقد من زمن البلديات بذاك العقد الذي انتظرناه لتتحقق اهداف الثورة، فوجب علينا من منطلق مسؤوليتنا تجاه الوطن وتجربتنا –على حداثتها-، البحث والغوص في غمار البلديات ومجالسها لإيجاد مواطن الضعف في أداءها واقتراح الحلول الكفيلة بالرفع من كفاءتها فاعلية تدخلاتها، دون إغفال حجر الأساس في التجربة مجلة الجماعات المحلية فمنها انطلقت التجربة ومنها يجب ان ينطلق التقييم.

وقد تعمدنا كذلك نعتها بالتجربة لا استنقاصا من قيمة واهمية اللامركزية في خلق منوال تنموي جديد ولا تحقيرا لدور المجالس البلدية المنتخبة في التفاعل مع مشاغل المواطنين محليا، انما ايمانا راسخا منا أن التجربة والخطأ عنصر أساسي للبناء، خصوصا حين يكون البناء أمرا حديثا لم يسبق لنا ان عشنا لسنوات ما قبل الثورة.

جدلية العلاقة بين المستشار البلدي والإطار/العون البلدي

 

تظل العلاقة بين المستشار البلدي والإطار/العون البلدي عنصرا حيويا مفصليا يؤثر بالسلب أو بالإيجاب في فاعلية و سير البلدية كمرفق إداري على رأسه رئيس إدارة يحمل في ذات الوقت، صفة رئيس مجلس بلدي ورئيس بلدية يعاضده في تسيير شؤون البلدية كاتب عام من ابناء الإدارة. وتعتبر حالة الانسجام والتناغم –في إطار القانون- هي الحالة المثلى المنشودة التي يمكن في ظلها ان تترجم الادارة البلدية تصورات ورؤى المجلس البلدي لإنجازات على الميدان. وعلى اعتبار ان الحالة المنشودة من الانسجام التام بعيدة المنال لعدة أسباب تتوزع بين الذاتي والموضوعي من جهة ويتداخل فيها السياسي بالتقني والعلمي الا اننا نستطيع ان نجمعها في صنفين اساسيين:

  1. الجانب الذاتي/ الموضوعي

قد يطغى الجانب الذاتي في العمل البلدي ويخلق حساسيات لا يمكن كبحها خصوصا في علاقة الكاتب العام للبلدية برئيس المجلس البلدي فالكاتب العام -عادة- خريج المدرسة الوطنية للإدارة وقد تدرج في السلم الوظيفي ليبلغ تلك الخطة او المسؤولية، قد يجد نفسه بل سيجد نفسه في حالات عديدة يعمل تحت إشراف وبتعليمات رئيس بلدية منتخب إما أن  له مستوى أكاديمي تعليمي أدنى منه أو أن له رتبة او خطة وظيفية أدنى من الكاتب العام قبل انتخابه رئيسا للمجلس البلدي. نتفق حتما في مسألة تطبيق القانون والانضباط للتراتيب وهرمية السلطة فهل يلغي الانتخاب التكوين الاكاديمي والسلم الوظيفي ؟ هل يمكن للكاتب العام او بقية الاطارات البلدية ان تعمل بصدر رحب ودون حساسية تحت امرة رئيس مجلس بلدي من الوظيفة العمومية يفتقد للخطة الوظيفية التي تكسبه ثقة واحترام الادارة البلدية، في جانب آخر هل سيفلح رئيس مجلس بلدي “دخيل” على الادارة من المهن الحرة او القطاع الخاص او من العاطلين عن العمل في فهم نواميسها وكسب ثقتها؟.

كما لا نغفل من جانب اخر دور الجانب الاكاديمي والمستوى العلمي ومدى تلائم المؤهلات العلمية مع المهام الموكلة للمستشار البلدي داخل المجلس، فبعض المهام تقنية خصوصا مهام رئيس المجلس البلدي باعتباره آمرا بالصرف، كذلك مهام رئيس لجنة الشؤون المالية والاقتصادية ومتابعة التصرف ولجنة الشؤون الادارية باعتبار ان هاتان اللجنتان تضطلعان بدور حيوي في رسم الخطوات الاستراتيجية للعمل البلدي و لا يمكن للإدارة البلدية ان تتعامل بارتياح وتتفق مع “متطفل” على المالية المحلية لا يعرف قواعدها وقوانينها ونواميسها  لا من باب التحقير او التقزيم للمستشار البلدي أنما من بين نقاط استفهام عديدة تطرح هنا لتوضح وان مهمة صعبة منذ البداية امام المستشارين البلديين تجاه الإدارة البلدية لاكتساب ثقتها احترامها.

  1. الجانب السياسي

وحيث ان المستشار البلدي سواء كان متحزبا او مستقلا عموما يعتبر في نظر البلديين دخيلا عليهم تجد ان عددا هاما منهم يتحاشى اي تواصل مباشر مع المستشارين خشية ان يحسب على هذا الطرف أو ذاك وما قد ينجر عنه من أثر سلبي على العامل او الاطار البلدي خصوصا اذا حسب على طرف اقلي في المجلس البلدي.

ويكون ذلك الموقف بترك مسافة مع المستشار البلدي احيانا بقرار ذاتي من العامل او الإطار البلدي دون أي تأثير أو إكراه  واحيانا اخرى بتوجيهات من النقابة الخاصة بأعوان واطارات البلدية او من الكاتب العام للبلدية كمحاولة منه للحفاظ على حياد الادارة وتجنيبها تجاذبات هي في غنى عنها.

ومن ما لا يدع  مجالا للشك ان البلديين يتوجسون خيفة  من المستشار البلدي لضبابية العلاقة بينهم، اذ نجد المستشار البلدي يتجول بين مكاتب الاداريين يلقي التحية على هذا ويجالس ذاك مستفسرا عن بعض الأمور والوثائق، يطلب وثائق بين يديه دون المرور عبر مكتب الضبط والكاتب العام للبلدية او مصلحة شؤون المجلس، وحيث ان الخيط رفيع بين الاستفسار البريء والاستفسار المراد منه استخراج معلومات –وان كانت كل المعلومات المتعلقة بالبلدية متاحة ولا تكتسي طابعا سريا- فإنها حتما قد تكون هذه معلومات  “حيوية ” :

  • حيوية بالنسبة للإدارة كالمعطيات الشخصية للأوان والمواطنين، المغازة واحتياجات البلدية من مستلزمات الادارة والمستودع والتدخل في الصفقات واللزمات وتشريك اطراف بعينها بغية تمكينها من الفوز بالصفقة او اللزمة.
  • حيوية لبعض الأطراف النافذة داخل المجلس –عادة رئيس المجلس- كالمعلومات المتعلقة بتواريخ فتح المناظرات او البتات او اللزمات وغيرها من المعطيات.

وعلى هذا الأساس يمكن للتجاذبات داخل المجلس البلدي ان تربك عمل الادارة وتخرجها كرها عن مبدأ حياد الإدارة فتنخرم أسسها وتدخل في دوامة يصعب الخروج منها تكون تأثيراتها جد سلبية على أداءها وتحركاتها على الميدان.

 

[1] قانون أساسي عدد 29 لسنة 2018 مؤرخ في 9 ماي 2018 يتعلّق بمجلة الجماعات المحلية.

[2] الجدل حول تجربة صندوق الزكاة ببلدية الكرم انموذجا.

[3]Sleimia Mohamed : Le consultant municipal rôle et perspectives, Al Massira éditions, Tunis 2020.

[4] انظر قانون أساسي عدد 29 لسنة 2018 مؤرخ في 9 ماي 2018 متعلّق بمجلة الجماعات المحلية

[5] الفصل 145 من القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 مؤرخ في 26ماي المتعلق بالانتخابات والاستفتاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: