الجمعة , مارس 5 2021

د. تامر عزت يكتب: الروح الهائمة

مشهد ١

خارجي – الشارع

عادل شاب ثلاثيني ، طويل القامة ، نحيل الجسم،تتميز وسامة ملامحه بعينيه الواسعتين ، يسير بسعادة غامرة في الشارع في قلب سوق مدينته التي يعشقها ، والتي ابتعد عنها لسنوات طويلة بسبب العمل في دولة الإمارات العربية ، فقد عاد أخيرًا في أحضان أهله وأحبائه ، في نيته البحث عن شريكة حياته ، إلا أن هناك شيء لفت انتباهه عصفت بسعادته تماما عند سأل نفسه سؤالا : كيف جئت إلى هنا ؟ انا مازلت بالخارج ؟ كيف جئت بدون المرور على مطار القاهرة الدولي ؟

مشهد ٢

داخلي- مطار القاهرة الدولي

وجد عادل نفسه داخل المطار والحيرة تزداد معه والسؤال لازمه مرة أخرى : كيف جئت إلى المطار بتلك السرعة وبدون سيارة ؟ اتسعت عيناه أكثر عندما وجد نفسه يتجول داخل صالات المطار دون المرور على قسم الجوازات ! مسح عادل الإبتسامة الساخرة التي كانت مرسومة على وجهه منذ حضوره إلى المطار ليظهر من ورائها وجهاً آخر أكثر حيرة وشفقة على النفس ، المنطق في صراع مع الخيال الذي أحاطه من كل جانب ، صرخ صرخة عنيفة صدرت من جوفه العميق : كيف جئت إلى هنا ؟

مشهد ٣

داخلي – مطار القاهرة الدولي

ابتسامة ساحرة رُسمت على وجه مضيفة من المضيفات عندما أوقفها عادل ليسألها عن سر وجوده هنا ، كانت عيناها تبتسمان أيضا عندما تحدثت بصوت ناعم :

– أين جواز سفرك ؟

=كانت لدىّ، لا اعرف كيف أضعت كل هذه الأشياء ، حتى حقائبي ليست معي ، ذهبت إلى مدينتي بدون سيارة ، وليس هذا هو المهم ، الأهم هو كيف سافرت من دبي إلى القاهرة دون أن أشعر ؟

لولا أشعر أني رأيتك من قبل لما سألتك ! أنا في كابوس مزعج غير مفهوم

أضاء وجه اكثر وهي تحاول إخفاء ابتسامتها برقة وعذوبة ثم استطردت قائلة :

لا عليك، من السهل البحث عن الاشياء المفقودة في القسم الخاص بها و حقائبك بالتأكيد موجود عند المكان المخصص لها ، لا شيء يضيع في تلك المدينة الصغيرة جدا ، والآن علىّ أن أتركك ، لدىّ موعد رحلة أخرى ، مع السلامة.

تبخرت من أمامه بلا أثر ، جنّ جنونه مرة أخرى وهو مازال لا يرى غيره في صالات المطار ، وكأن الجميع هرب عند تواجده ، جلس إلى اقرب كرسي يفكر في الأمر ، هناك شيء غامض يحدث ، إما أنه نائم يحلم بكابوس ويتمنى الاستيقاظ منه ، أو انه كابوسا حقيقيا ويعيشه بكل جوارحه ، بعد دقائق رأى رجلا أشيب الشعر ذو هيبة ووقار وقف من بعيد وعيناه مثبتتان على عادل ، وفجأة ظهر كل شيء كما لو أن ستاراً قد انزاح من على عينيه لتميط اللثام عن الحقيقية التي لم يدركها منذ أن عاد إلى وطنه

مشهد ٤

داخلي – مطار القاهرة الدولي

وقف الرجل المهيب أمام عادل مباشرة وقال بشكل صارم ومباشر :

معطيات تؤدي إلى نتائج ، مقدمات ينتج عنها خلاصات ، المنطق الذي يحكم جميع نواحي الحياة .

وقف عادل مندهشا لما سمع ولم ينبس ببنت شفه

وأكمل الشيخ حديثه :

جميع الحقائق ،مهما صغرت ومهما كبرت هي رهن للسنن التي تحكم كل شيء فإن عُلِمَت السُنن ، انكشفت الحقائق وبَطُلت المعجزات.

الحيرة تزداد على ملامح عادل والغموض يلاحق عقله ثم نطق قائلا :

من أنت ؟ وما الذي تقوله ؟ انا لا افهم شيئا! لقد كنت في الإمارات وفجأة وجدت نفسي في مصر بل أجوب في شارع من شوارع مدينتي بكل أريحية ثم فجأة وجدت نفسي في المطار ولا أعلم كيف حدث كل هذا ؟ ولم أجد على أرض المطار سوى مضيفة الطيران وأنت وكأن المطار في حالة طواريء والكل مختفي، ماذا يحدث بالله عليك ؟

أبتسم الشيخ بوقار وأمسك بيده وسارا معا لمعرفة الحقيقة.

مشهد ٥

داخلي – في الطائرة

توطدت العلاقة العابرة بين عادل والشيخ عاطف وهما جالسان بجوار بعضهما البعض في الطائرة أثناء رحلة العودة إلى مصر وبعد التعارف والحديث عن الوطن والغربة والحالة الاقتصادية في كل أنحاء العالم ، كان هذا الحوار :

– هل العودة نهائية يا شيخ عاطف ؟

= لا ..أجازة عادية ، سوف تتزوج ابنتي ان شاء الله .

-مبارك ، بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما على خير .

= جزيت خيراً ، ولك بالمثل.

– لن أتزوج الآن.

= لماذا ؟

– الزواج مسؤولية وتكاليف باهظة ، وسنوات العمر تضيع بين السيء والأسوأ .

= بمعنى ؟

– السيئ هو الغربة والأسوأ هي مصر ، لابد من إحكام العقل وليس العاطفة .

= العاطفة مثلها مثل أي شيء في الكون ، تَحكُمها سنن فمن يَعلمها يستطيع التحكم فيها، وأنت لست الإنسان الوحيد في الكون ، المعظم كذلك ، وقد يكون بين أهله وعائلته وهو شاردا بعيدا عنهم.

– إذن ما الفائدة من الحياة ، أنا في وادي وزوجتي في وادي وأهلنا في وادي اخر ، والاعمار في تعداد تنازلي ، ما الحكمة ؟

= الأعمار بيد الله و….

انقطع حديث الشيخ فجأة بعد أن امسك قلبه بشكل مفاجئ ، على إثرها صرخ عادل طالبا النجدة من طاقم الطائرة ، هرولت إحدى المضيفات ،لكنها سقطت أثناء ركضها ووقعت وشق رأسها عندما اصطدم رأسها برأس المقعد وسال الدماء بين راحتي عادل الذي حاول الإمساك بها.

مشهد ٦

داخلي- عيادة المطار

أفاق عادل من غيبوبته ، وجد نفسه محاطًا بطاقم من الأطباء ، ووجد والدته تبكي من الفرح لعودته سالما إلى الحياة مرة أخرى ، و لسان والده رطبا بذكر الله يحمده ويشكره ، قام متثاقلا من مكانه ورأسه يعانى من صداع حاد يكاد يشق رأسه إلى نصفين ، تناول أقراص الصداع وبعدها سأل عن الذي حدث فكانت المفاجأة التي لم يتوقعها، أخبره الطبيب المسئول عنه بوفاة الشيخ عاطف إثر إصابته بأزمة قلبية حادة والمضيفة الجوية توفيت بعد إصابتها بارتجاج في المخ ، وأنه غرق في غيبوبة لعدة ساعات من هول الصدمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: