الجمعة , مارس 5 2021

حسين عبروس يكتب :الشاعروأحاسيس النبوة

الشاعر الموهوب هو ذلك الإنسان الخرافي الذي تسكنه هواجس الإبداع و تحلق به روح الجمال بعيدا في عوالم شتى، فقد وهب سر مكنونات الأحاسيس الفياضة بما تحتويه من دفء معاني الكلمات، و الجمل و المقاطع، و الصور المدهشة إلى حد الروعة. لذا لا يمكن لأي كان أن يدعى شاعرا إلا إذا طاف خلجان تضاريس الحرية في دواخله، و تجاوز متاريس القيود الاجتماعية الوهمية التي تحيا في أعماقه، لتعمر طويلا فتفرض عمدا على حياة الناس، و لا يكون شاعرا إلا إذا جرب فن الغوص في أعماقه. كي يقاسم أبناء جلدته نفس الإحساس المر، كما يقاسمهم الفرح الجميل الذي يعيد للنفس توازنها في الحياة.
فالشاعر الذي يرهبه المعنى و تخيفه الكلمة و الصورة الشعرية، هو شاعر يحيا و يموت مصلوبا على بساطة القول من الكلام، و على ضبابية الصورة المعتمة، أو على سذاجة الكلام الذي يخطر على بال العامة من الناس في هيئة النظم الخطابي، و يظل الشاعر الموهوب طائرا يغريه التغريد و التحليق في دنيا المعاني البديعة في رياض الجنان العامرة بالفن، و المتوجه بتاج القول من الكلام العالي، فهو في كل الأحوال يسبق زمانه بنبوءة من نبوءات الإحساس الجميل، وهو في كل نص جديد من أشعاره يحاول دائما الإفلات من قيد القديم، ومن دائرة الصورة الضبابية المعتمة. و من فضائح اللغة الخنثى، ومن جلابيب الذين سبقوه إلى الحياة و إلى الإبداع، فذاك هو الشاعر الذي يظل قلب الحياة النابض على الدوام.
إذا أحب ذاب عشقا، و ذوب معشوقه و قارئه معا، و إذا صفا في دنيا الروح حلق عاليا في ملكوت الكلمات. فأبدع بقلب مؤمن ملك مفتاح البهاء في سعة البوح و الدعة و الصفاء، و إذا غضب أبدع في ثورته حتى تغدو كلماته براكينا و حمما في وجه الظالم المستبد، أو في وجه السديم، وفي وجه البغيض من البشر. ومن القول الجاهز ذاك هو الشاعر الذي يتمناه كل من جرب عوالم الكتابة الشعرية والاحتراق بلهيب حرها و جميل نعيمها.
إن الشاعر في عصرنا هذا يلزمه الكثير من الشجاعة كي ينجز نصا شعريا خارقا للعادة، مدهشا بما يتضمنه من فنيات جمالية، تلك الجمالية التي تقوم على حداثة اللغة و حداثة الصورة و حداثة الأسلوب الشعري المتميز. و يظل كل شاعر موهوب في هذا الزمن الذي تطغى فيه نواعب العصر الذي يرفع أصحابه راية ما يسمى بالرواية الجديدة.
إن الحقيقة التي يغفلها الكثير من أبناء الوطن العربي، ومن أبناء المعمورة قاطبة. هي أن الشاعر هو أبو اللغة و أمها على حد قول الفيلسوف و الشاعر العربي الكبير جبران خليل جبران. هذه الحقيقة التي لا يمكن أن تلغيها شعارات أصحاب فن الرواية و القصة و المسرحية و السيناريو من فن الشعر. كما استفادت اللوحة التشكيلية و المقطوعة الموسيقية و الأغنية من عطر و عبير القصيدة الشعرية، واستفادت القصيدة من روافد الفنون و تلك سنة الإبداع في الكون.
و يظل الشاعر وحده من يحرك دواليب الحياة و يهمس في أسماع الناس بأن ما يقوله لا يشبه كلام الآخرين. و رغم تعدد الوسائط التكنولوجية الحديثة تبقى نبوءة الشاعر هي من تعطي للفن عظمته وروعته و تحمله إلى ذلك العلو في مساحة الجمال و الرقة و الرفعة. و منه أيضا تعصف عواصف الثورات صد القبيح و ضد الطغيان، و منه تبدأ رياح الفلسفة و الحكمة، ونوازع الفكر و التأمل.
فما أجمل الحياة التي تظل أغنية من نفس الشاعر و الثورة من قبس لهبه المشتعل، و الروعة من رقة إحساسه، و يظل وحده حارس الجمال و حارس الحق و باعث الشوق في قلوب العشاق…ذاك هو الشاعر مثل الطائر إذا حلق غنى/ و إن حط على الغصن تمنى/ و إن تهادى بكف الأرض/ لم تسعه الأرض لحنا/ ذاك هو الشاعر في كل الأزمان: يحمل عرشه/ فيسبقه في الأماسي/ إلى البوح نعشه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: