الأحد , أبريل 11 2021

للمرة الأولى عربياً وفي إطار احتفاء هيئة الشارقة للمتاحف بقيم الإبداع الإنساني: سلسلة معارض علامات فارقة تسلط الضوء على الفنانة الجزائرية الراحلة باية محي الدين بأكثر من 70 لوحة

تحت رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد، حاكم الشارقة، افتتح الشيخ زايد بن سلطان بن خليفة آل نهيان، المعرض المنفرد لرائدة الفن التشكيلي الجزائري والعربي، الفنانة الجزائرية الراحلة باية محيي الدين، الذي تنظمه هيئة الشارقة للمتاحف ضمن سلسلة معارض “علامات فارقة” بدورتها الـ 11، بحضور كل من الشيخة نوار القاسمي، مدير مؤسسة الشارقة للفنون، والشيخة نورة المعلا، مدير التعليم والأبحاث في مؤسسة الشارقة للفنون، وسعادة منال عطايا مدير عام هيئة الشارقة للمتاحف، وعائشة راشد ديماس، مدير الشؤون التنفيذية، وناصر الدرمكي، مدير إدارة التخطيط والاستراتيجيات المتحفية بالهيئة.

ويوفر المعرض الذي انطلق في ظل تدابير وإجراءات احترازية مُحكمة ويستمر حتى 31 يوليو المقبل، للزوار فرصة الاطلاع والوقوف على حياة الفنانة ومسيرتها التشكيلية، عبر ما يزيد عن 70 عملاً فنياً إبداعياً، من بينها لوحات قدمتها في أول معرض أقيم لها في العاصمة الفرنسية باريس عام 1947.

16 قاعة تروي مسيرتها

وتتوزع لوحات التشكيلية الجزائرية على 16 قاعة في متحف الشارقة للفنون، التابع لهيئة الشارقة للمتاحف، حيث تستعرض أولى القاعات لجمهور الفن والرسم التشكيلي، سيرة مكتوبة تتتبع مسيرة الفنانة منذ نشأتها وحتى وفاتها.

وتضم 14 قاعة أكثر من 70 لوحة إبداعية من بينها منحوتة واحدة من السيراميك، تتميز جميعها بألوان نابضة بالحياة، وأنماطها الزخرفيّة، ومفرداتها البصريّة الخلّابة، التي استمدت تفاصيلها من محيطها الثقافي والبيئي، مبتكرة عبر ذلك تركيباتٍ خياليّة شبيهة بالأحلام، تهيمن عليها إلى حدٍ كبيرٍ الشخصيات النسائيّة، فيما تستعرض قاعة أخرى عبر الفيديو، لقاء جمع الفنانة باية مع المؤرخة الفنية سلوى مقدادي، عام 1993 في الجزائر.

منصة إشعاع فني

وفي هذا الصدد قالت سعادة منال عطايا مدير عام هيئة الشارقة للمتاحف: “أن الاحتفاء بإبداعات الفنانة الجزائرية الراحلة باية محي الدين في معرضٍ تنظمه هيئة الشارقة للمتاحف للمرة الأولى في المنطقة، جاء نظراً للإرث الفني الراسخ والبصمة المؤثرة اللذان تركتهما الفنانة ويؤكد تنظيم هذا المعرض بأن الشارقة لا تنسى من أثروا الحياة الانسانية، وارتقوا بإحساس الشعوب، وساهموا في تنوير العقول ونضوج الوعي، كما يؤكد أن تكريم الفنانين والمبدعين حق واجب وتقدير مستحق لهم ولعطائهم، الذي ساهم في صياغة العقل الانساني الجمعي”.

وأضافت: “ان الاحتفال بالفنانين والمبدعين هو احتفاء بالقيم الإنسانية النبيلة، كما أنه تثمين للجمال، وتجديد للاعتراف بفضل الفنانين في إثراء ونشر الثقافة بأشكالها التي تساعد بدورها في خلق وحدة إنسانية وترسيخ مفاهيم العدل والمساواة والجمال بين الشعوب، وعلى ضوء هذه المعاني، تَكَرَّس نهج إمارة الشارقة التي أخذت على عاتقها تعميق قيم الاحترام والمحبة والسلام بين الناس، فتحولت الى منهلٍ ثقافيٍ يرتقي بالذوق العام ومركز إشعاع فني في العالم العربي، والمنطقة بأسرها، ومصدرٍ للإلهام”.

واستطردت عطايا “سيظل الفن مكوناً أساسياً ثرياً ومتنوعاً في الهوية الإنسانية لا ينضب معينه، فهو إحدى المواهب التي تفرد بها الإنسان، وتميز بها عن سائر المخلوقات، وبالتالي فإن استمرار الفن والابداع وتواصل مسيرتهما يحتاج الى رعاية دائمة لتورق أغصانه، وهو الأمر الذي أخذته هيئة الشارقة للمتاحف على عاتقها، وهي في هذا السياق تحتفي بإبداعات الفنانة الجزائرية الراحلة باية محي الدين، كدأبها في تكريم المبدعين محلياً وعربياً”.

وتمكن متحف الشارقة للفنون الذي بذل جهوداً كبيرة، من استعارة هذه اللوحات من مقتنين لأعمال الفنانة، وعدد من المؤسسات والجهات الفنية من داخل الدولة وخارجها، من بينهم مؤسسة “غاليري ماخت” ، وهي الجهة التي أقامت أول معرض منفرد للفنانة في باريس عام 1947.

كما قدمت كل من مؤسسة الشارقة للفنون، ومؤسسة بارجيل للفنون مجموعة من اللوحات، بالإضافة إلى مؤسسة رمزي وسعيدة دلول للفنون في لبنان، ومؤسسة كمال الأزعر في تونس، وعدد كبير من اللوحات قدمها غاليري المرسى للفنون في دبي وتونس، فضلاً عن لوحة قدمتها أسرة الفنانة باعتبارها اللوحة الأخيرة التي رسمتها قبل وفاتها.

مؤسسة الفن البدائي

وتعد الفنانة الراحلة باية محي الدين واحدة من أشهر الرسامين، والأغزر إنتاجاً، حيث امتدتْ مسيرتها المهنيّة على مدار ستة عقود، وأصبحت فنانةً محوريّةً في تشكيل الحداثة الفنيّة المتميّزة في شمال إفريقيا، حيث نجحت في تأسيس مدرسة جديدة في الفن التشكيلي الجزائري والعربي، هي مدرسة الفن البدائي.

كما ارتبطتْ التشكيلية الجزائرية أيضاً بحركاتٍ دوليةٍ خلال مرحلة ما بعد الحرب، مثل السريالية و”الفن الخام”، واستلهمت أعمالها الفنية من التقاليد الفنية الأمازيغية والعربية والإسلامية والأوروبية، إلى جانب حساسيتها الإبداعية الفريدة.

واشتهرت الفنانة باسم باية محي الدين على الرغم من أن اسمها الحقيقي هو فاطمة حداد، إلا أنها لُقبت بـ باية مع انتشار فنها وازدياد شهرتها، وهو نسبة إلى “باي” على غرار “داي”، الرتبة التركية التي كانت تمنح لحكام الولايات أثناء الحكم العثماني للجزائر، فمُنحت هذا اللقب نظراً للموهبة الفريدة التي تمتلكها والتي جعلت منها باية الرسم الجزائري.

وحول الصدفة التي قادتها لتكون واحدة من بين أهم الشخصيات الفنية في العالم، فهي ما سيطلع عليه الجمهور خلال زيارة المتحف، وتعرفهم إلى سيرة حياتها في أولى القاعات التي تروي عبر مجموعة من الملصقات حكاية ابنة الثانية عشرة، التي رافقت جدتها في العمل، بينما كانت أخت صاحب المزرعة الفرنسية مارغريت كامينا، تتابع الفلاحين، حين لاحظت الطفلة (باية) وهي تلهو بالطين وتشكل به تحفاً فنية.

وألهبت تلك التحف الطينية إعجاب مارغريت بالفتاة وبموهبتها، فاصطحبتها إلى بيتها بالجزائر العاصمة لتساعدها في أعمال البيت، بينما تعتني هي بموهبتها وتنميها، حيث تبنتها فيما بعد لتشكل هذه الصدفة أولى خطوات الانطلاقة الفنية الحقيقية للمبدعة باية نحو العالمية.

ملهمة فناني وشعراء باريس

في باريس بزغ نجم الفنانة، حيث شهدت تنظيم أول معرض لها، ما دفع الشاعر السريالي الفرنسي أندري بريتون إلى كتابة مقدمة في مطوية خاصة بمعرضها، وبعد أقل من عام على معرضها الأول دعاها الرسام العالمي بابلو بيكاسو إلى ورشته بجنوب فرنسا، لتقضي أشهراً عدة برفقته، أنجزت خلالها تحفاً فنية من الفخار، ورسمت العديد من اللوحات من بينها منحوتتها الشهيرة من “السيراميك”.

وانعكس تأثر الفنان بابلو بيكاسو بفن باية وألوانها الزاهية، إلى تعاون الثنائيS في إنجاز تحف جميلة، ولم يكن بيكاسو وحده الذي أعجب بأعمالها، ففي باريس انفتحت أمامها آفاق واسعة، وأصبحت وجهاً بارزاً للفن المعاصر الجزائري والعالمي، حيث التقت هناك بـ جورج براك، وهو من مؤسسي المدرسة التكعيبية.

كما كتبت عنها مجلة “Vogue الفرنسية ونشرت صورتها، واعترف بها الوسط السريالي، وشاركت في معارض جماعية ببلدها الأصلي والدول العربية وأوروبا واليابان وكوبا والولايات المتحدة الأمريكية، وتوجد تحفها في متاحف شهيرة حول العالم، واعتمدت الجزائر لوحاتها على طوابع البريد.

ويعتبر المعرض الذي يستضيفه متحف الشارقة للفنون أول معرض منفرد في الوطن العربي (خارج الجزائر) يجمع أعمال الفنانة بهذا الحجم، تخليداً لذكراها، وتكريماً لدورها الكبير في إلهام العديد من الفنانين العرب والعالميين البارزين، أمثال بيكاسو، حيث حازت من خلاله على لقب ملهمة بيكاسو، بالإضافة إلى الفنان جان دوبوفيه، وغيرهم.

ويتوقع أن يجمع المعرض نخبة من الفنانين المحليين والعرب والعالميين، بالإضافة إلى محبي وعشاق الفن التشكيلي، فضلاً عن الجمهور المحب للاطلاع والتعرف إلى مسيرة ستة عقود من حياة الفنانة، ترويها لوحاتها التشكيلية الإبداعية.

هذا وتنظم الهيئة على هامش المعرض جلسة نقاشية بعنوان “تمثيل المرأة في الفنون”، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، في الساعة السابعة من مساء الـ 8 من مارس المقبل، تترأسها سعادة منال عطايا، مدير عام الهيئة، ويشارك فيها عدد من الخبيرات في مجال الفنون، من داخل الدولة وخارجها، لتسليط الضوء على مشاركات وإسهامات الفنانات العربيات في المشهد الفني.

يشار إلى أن هيئة الشارقة للمتاحف تنظم معارض “علامات فارقة” سنوياً في متحف الشارقة للفنون، بغرض إبراز دور رواد الفن العربي، وتسليط الضوء على مسيرتهم المهنية، ومساهماتهم في رفد المشهد الفني في المنطقة، وتشجيع المواهب الصاعدة والواعدة في مجال الفنون، حيث استضافت السلسلة منذ انطلاقة دورتها الأولى أعمال العديد من الفنانين من مختلف أقطار العالم العربي مثل عبدالقادر الريس، آدم حنين، والدكتورة نجاة مكي، ونور علي راشد، وإسماعيل شموط مع تمام الأكحل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: