الأحد , أبريل 11 2021

نص من رواية / دروب العصيان/ الكاتب بوشاش بنجدو/ تونس

نص من..
روايتي” دروب العصيان”..

جذب معطفه وتوسّده…بينما هي وضعت الوسادة تحت رأسها…تمدّدا جنبا إلى جنب على السّرير…هو على ظهره…وهي على جنبها، تلتفت إليه…فتحت أزرار قميصه، ووضعت رأسها على كتفه…بينما هو مدّ ذراعه تحت كتفيها يحتضنها…أحسّت بدفء لم تشعر به يوما في حياتها…سرّبت يدها إلى صدره تتحسّس شعره الكثيف…لأوّل مرّة في حياتها لا يطلب رجل منها الجنس…هذا من طينة أخرى…هذا لم يدلق لسانه مثل كلب يطلبها…هذا ستنام معه، وستأكل التفاحة، حتى ولو عاقبها الرّب بسببه..
*****
مضى من اللّيل أكثره…لم يكحّل النّوم جفنيها…تحرّش بها أرق مجنون…كانت مشاعرها متداخلة…بل متضاربة…هي في لحظة أخرى من حياتها…ماذا ينقصها، حتّى تنزل إلى القاع؟…أيّ شيء أقبح عليها من فتح فخذيها لمزابل البشر؟…أيّ شيء أقسى عليها من الوشاية، ومن كتابة التّقارير؟…لماذا تظلّ ممسحة اللّصوص والمرتزقة والقوّادين؟…لمـاذا لا تنسف عمرا بأكمله من التّدنيس، ومن التّعفّن؟…لماذا لا يكون هـذا اللّقاء المتمكّن، ولو بالصّدفة، منعرجا جديدا في حياتها؟…
راح بعيدا في النّوم…ينزاح من فوقه ركام الأيّام…بينما هي ظلّت تقلّب القرار على جميع أوجهه…قرار القطع نهائيا مع هذا الـواقع الموبوء بالخسّة والنّذالة، وبالعار…سترمي مزبلتهم في وجوههم…أوراقهم كلّها ملكها، ولن يستطيعوا مسّ شعرة منها…هي ورقة كلّ واحد منهم ضدّ الآخر…ملفّاتـهم في أرشيفها…تعرف كلّ شيء عنهم…لن يتجرّؤوا على التّطاول عليها وعلى مساومتها…أرخت لهم الخيط، حتّى تمكّنت منهم واحدا واحدا…تسلّلوا إلى فراشها لإذلالها فمصّت منهم عارهم لتفضحهم…هؤلاء الأوباش سيركعون عند قدميها يوم تدور رحاهم تصفّيهم…وسيصفّي التّاريخ يوما الحساب معهم، فقط تترقّب اللّحظة…واللّحظة تنام بجنبها…هذا الأسمر وحده تاريخ مشرّف…
تسلّلت خيوط الشّمس من النّافذة تداعب أهدابهما…تحرّكت رموشهما في متعة…فتح عينيه فوجد شعرها المتموّج يغطّي صدره، ويدها تطوّق عنقه…فتحت عينيها، واستندت على مرفقها، وطفقت تنظر إليه في شوق…كانت شفتاها ترتجفان…
نهض وغسل وجهه، ثمّ نشّفه…علّق المنشفة على المشجب..أسند ظهره إلى النّافذة والتفت إليها…وجدها تتأمّله في عفّة…تقدّم وجلس بجانبها على حافة السّرير وهي ممدّدة…داعب شعرها المسافر على الوسادة، وشفتيها، وقال لها: يا صديقتي، هذا يوم آخر من الزّمن، يختلف عن مرحلة بأكملها…لا شكّ أنّك أشرف من المستنقع…أصابها في العمق…ركن في الزّاوية المعتّمة فيها، وألقى فيها شهاب الضّوء…
نهضت وطوّقت عنقه بذراعيها، وطبعت عل شفتيه قبلة حارّة وقالت: أنت خطّيت تاريخك منذ زمن، واليوم جاء الدّور عليّ…سأعرّيهم واحدا واحدا، وسنلتقي يوما في ساحات الشّرف…
*****
خرجا من النّزل متخفّفين…بعث فيهما الصّباح نشاطا جامحا…وضعت يدها في يده، وراحا يطوفان في زوايا الشّوارع والأزقّة الّتي ما زالت تتحسّس صرير الأقدام المتعبة…ركنا إلى مقهى شعبيّ هادئ ينصرف فيه الزّبائن إلى همومهم الخاصّة، فينفثون فيه دخان السّجائر وكركرة الشّيشة في صمت، ويرتشفون قهوتهم في خدر مخلوط بالبصر التّائه، وبالشّكّ في الأيّام القادمة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: