الأحد , أبريل 11 2021

أنا وأبي وسيمون دي بوفوار وهلوسات الحُمّي…بقلم – سحر عبدالقوي 

لم يقرأ أبي لسيمون دي بوفوار،  وربما لم يسمع عنها،  لكنه طالما عاملني كرجل.  هكذا قالت سيمون دي بوفوار عن أبيها الذي رآها تمتلك عقلا كالرجال.  أبي كان يعي أنني أمتلك عقلا كالرجال،  مُجادِلة،  حادّة،  عنيفة أحيانا بصوت مرتفع،  ساخرة،  ومتمردة،  وغضوبة.

لم يخبرني أبدا أنه يراني رجلا كاملا.  لكني كنت أراه يُحدّق في ذلك الرجل الذي بداخلي وهو يسألني عن رأيي بتفخيم كنت أحسبه وقتها تهكما من فتاة تري أن رأيها سيكون سديدا.  أو تري أنها ستكون من أولي الرأي السديد يوما ما، رأيها الذي يُطهي في طناجر الأيام.  كنت أراه يُعجَب بالرجل الذي يسكنني لأنه ككل الرجال الصعايدة كان يتمني أن يكون له ولد.  وخذلته الأيام والأقدار ،  أو خذلته حيواناته المنوية الحاملة للرمز (.y)  وتركت الحيوانات الحاملة للرمز (x)  مهمة تلقيح بويضة أمي.  فجئت أنا حاملة للرمز الجيني (xx).  أنثي.! يالحزن أبي الذي لم يفلح في أي محاولة إنجاب بعدها.

لا أعرف من الذي صنع الرجل الذي يسكن بداخلي: أهو أبي الذي لم تمُت بأعماقه رغبته في أن يكن له ولدا ذكرا.  أم أنا في محاولة تعويضية لا واعية مني لأبي.  طالما حاولت استرضاؤه فلبست ثيابه في غيابه ليجئ ويجد في البيت ذكراً، أو ارتديت شخصيته_  الحُلو منها فقط_ لأنه طالما كان نِداً وصيّرته الأيام في مرحلة ما إلي منافسٍ ثم عدو.

هكذا تحققت فيّ مقولة دي بوفوار: أننا لا نولد نساء او رجال بل تحولنا الحياة الي نساء أو رجال.  فحولت أمنيات أبي ورغباته جزء مني إلي رجل. بكل ما يحمل الرجال من كبرياء وترفع عن الشكوي وتحمل للهموم واعباء الحياة، بكل ما تعنيه الرجولة من التزام وصدق وعد وتحمل مسئولية،  بكل ما يحمل الرجال الحقيقيين من دهاء الانتظار ثم الانقضاض المباغت الساحق أو الرحيل القاتل المفاجئ الناعم كلمسة سيف حاد علي شرايين عنق غافلة او غير غافلة،  بكل القدرة علي الاستغناء والتقشف وقبول خشونة الحياة،  بكل التحامل علي النفس والقسوة الممنهجة الواعية أو الغير واعية.

“لم يكن هناك من يقبلني كما كنت و لم يكن هناك من يحبني و لقد عزمت على أن أحب نفسي لأعوض هذا التّرك “سيمون دي بوفوار

لم يحب أبي أنوثتي وتنمر عليها.  وجاهد كل الجهد لمسخها.  كان يريدني ذكرا في جسد أنثي.  ثم أرادني ذكرا في جسد ذكر.  لكن جسدي لم يستجب.  فقررت أن أحب نفسي.  أرادني أبي رجلا بعقل ومسخ بجسد.  فالمرأة التي تفكر جميلة. لكن الجسد أصل الغواية.  لن أصير رجلا أبدا.  فالرجال لا تترك ممارسة الجنس أثرا علي أجسادهم.  ليس لديهم غشاء بكارة يفضحهم ولا يحبلون.  هكذا أدركت أنني لست رجلا.  فعلي جسدي ألاف المحاذير.  كيف يمكن أن أكون رجلا بالعقل وأنثي مكبلة الجسد.  الرجال أحرار.  علي الأقل يملكون حرية التصرف في اجسادهم.  ولا تجلب لهم حرية التصرف تلك أي عار لا لهم ولا لعوائلهم.

كانت هذه هي المعادلة المستحيلة. أن تكون حرا بعقل وجسد وارادة. وأن تقبل نفسك،  جنسك،  جهازك التناسلي،  رغباتك،  عاطفتك،  احتياجاتك،  ضعفك.  أن تعرف أنك المالك الحقيقي لمقدراتك جسدك وعاطفتك.  أن تكن أنت.  أن تكن دوافعك منبعها ارادة حرة.  أن تحب نفسك كما أنت.  أن تعيد تربية نفسك وفقا لمقومات جديدة. بدلا من التفكير في استجلاب اطفال.  لا أريد أن أنجب طفلا وأربيه أريد تربية نفسي.  أنا طفلتي.

عندما كنت صغيرة كم تمنيت أن أصير رجلا.  لأتسكع في الشوارع لساعات متأخرة،  وأسافر كما يحلو لي وحدي،  واجلس علي مقاهي الرجال الشعبية في بلادنا المنغلقة،  وادخن الشيشة والسجائر واحتسي الخمر،  ويكون في استطاعتي التباهي بعدد مغامراتي العاطفية،  وأن أمارس الجنس مع من أحب دون أن يراني عاهرة.  وأن أكون طالبة وفاعلة.  وأن أقرر متي أتزوج بحسب احتياجاتي ومزاجي،  أو أقرر أن اعيش في علاقة مفتوحة كما فعلت دي بوفوار مع سارتر.

ماتت تلك الرغبة،  لم أعد أريد أن أصير رجلا.  تسكعت في الشوارع وجلست علي المقاهي وسافرت وعملت وكسبت وادخرت واشتريت جدرانا تحتويني وشربت الشيشة والسجائر واحببت رجالاً.  لدي رصيد من المغامرات العاطفية التي صقلتني ولم يذلني عشق لأبقي رغم أنف كبريائي او أحطم من أجله ذاتي التي أقدسها واقدرها. وأرضي بم لا يتفق وصورتي عن نفسي.

كان ابي يعرف أنني جامحة.  وبرغم اعجابه بنبتتي المغايرة لنبات الحقول المجاورة.  الشاذة الشيطانية . إلا أنه كان مصرا علي وضع قدمه فوق فرامل مقودي.  بينما كنت مصرة علي قيادة حياتي بمفردي،  فقررت قلب الحافلة بحادثة كبيرة لأقفز واشتري لنفسي سيارتي الخاصة.  وقفزت وتركت مقود ابي منقلباً علي الطريق. مُحتَرقاً وحده.  وكان هذا أول انقلاباتي.  لا أذكر عدد الرجال الذين تركتهم في منتصف الطريق بسيارات محترقة ومضيت وحدي. تقبلت نفسي وانوثتي وخشونتي ونعومتي،  استقامتي واعوجاجي. وتعدد الشخصيات التي تتوالد بداخلي.  أحببتني جميعا.

“إني مرصودة للوحدة” سيمون دي بوفوار

أن تكون نفسك يعني أن تكون وحدك،  ولدت وحيدة،  ومستعدة للعودة وحيدة كلما آلمتني الرفقة. جربت اليُتم وجربت مواجهة الحياة بتكشيرة انيابها المفزعة.  لا أحد بجواري إلا رفقة قليلة، وقسوتي التي اتحصن بها من توحش الناس وعقلي الذي يكشف لي خبايا قذارات النفس البشرية.  وربما سأموت وحدي.  لكنني راضية تماما ومتصالحة مع نفسي ومعجبة بكل تناقضاني وقدرتي علي ابرازها دون توارِ أو خجل مصطنع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: