الأحد , أبريل 11 2021

آلاء كايد تكتب … اليوم الأول بعد موتي

اليوم الأول بعد وفاتي
هدوءٌ عارمٌ يعمُّ المكانَ، جُثثٌ هامدةٌ تُحيط بي شرقًا و غَربًا، جميعُهم نيامٌ دونَ حراكٍ، جئتُ لأرافقهم في المسكن، بتُ في عالمٍ غريبٍ يختلفُ تمامًا عن عالمي السابق، عالمٌ لا يعرفِهُ إلا من سبقني إليهِ منذُ أيام أو أشهرٍ و لربما أعوام.
يَصُبُّ في مسمعي صدى صوت خطواتٍ مُثقلةٍ تقتربُ مِني رويدًا رويدًا و عويلُ أمي يرنُّ في أذني، دُعاء أهلي و أصدقائي يُنير عتمتي، أما حُزنُهم و بُكاؤهم فيُحرِقني، تمنيتُ لو أنني أستطيعُ أن أخففَ عنهم آلامَهم، لكنني أحملُ ذاتَ الآلام و لربما أكثر بقليل، فأنا الآن سأبيتُ في منزلٍ جديدٍ لا دِفء فيهِ ولا عائلة، أمي ليستْ هُنا، شجارُ إخوتي على التلفازِ لم يَعُد موجودًا، دُعاءُ أبي لي لنْ يَقعَ على مسامعي بعدَ الآن، سأشتاقُ إلى هذهِ التفاصيل بشدةٍ.
عائلتي لم تفقدني اليوم، بل أنا من فقدتُ عائلتي، زارني الموتُ مُبكرًا، أتى إليَّ قبلَ أن أفصِح لوالديّ عن مدى تعلقي بهما، قبل أنْ أشكُرَهُما على الحُبِّ الذي قدماهُ لي دونَ مُقابلٍ، قبل أن أقضيَ الوقتَ الكافي برفقةِ إخوتي و أصدِقائي، قبل أن أُحَققَ جزءاً من أمنياتي، توفيت قبلَ أن أحيا ما تمناهُ قلبي.
رحلتُ دونَ إرادةٍ منّي، سلبني القدرُ في ريعانِ شبابي، فرحلتُ تاركةً قلوبًا تئنُّ من شدةِ الجوى، أرواحًا تتوقُ لرؤيتي، عيونًا ابيضّتْ من البُكاءِ و النحيبِ، ألسنةً أصابَها البكم من هولِ الموقفِ.
مررتُ بكم ذاتَ حينٍ و حاولتُ محادَثتكم و احتضانَ أحدكم، إلا أنني لم ألقَ أي ردٍ، فلم يرني منكم أحدٌ، لكنني رأيتُكم، كانتْ أمي تبحثُ بينَ ملابسي و مُمتلكاتي و تبكي قائلةً عُد يا صغيري مجددًا فأنا أفديكَ بروحي، عُدْ أنتَ و ليأخذني الموت، فأنا لا أقوى على تحمل غيابِكَ يا نهجةَ الروحِ، كان أبي يتأملُ إحدى صُورنا العائلية و يقولُ: ما عادَ لهذهِ العائلةِ بهجةٌ، وإن كُنّا سعداءَ ذاتَ يومٍ فلنْ تكتمل سعادتنا. سنحيا بفراغٍ إلى الأبد.
أما إخوتي فلمْ يذهبوا لزيارة غُرفتي حتى لا تمرَ ببالهم بضعَةٌ من ذكرياتنا فيُصيبهم الحزنُ و الوجوم و ما ارتادوا حديقةَ المنزلِ مُجددًا و عذرُهم الأساس أنَّ اللعبَ لم يعد مُمتعًا و أنهمُ كبروا سنين عديدةً برحيلي، فما عادوا أطفالاً ليلعبوا كالسابقِ، مررتُ بأصدقائي الذي اعتدتُ أن أمضي أيامي برفقتهم، وجدتُ حيرةً كبيرةً تملأ عُقولَهم، كانوا يجلسونَ سويًا دونَ حديثٍ أو بُكاءٍ و كأنَّ ذهولاً قد أصابَهم، مرَّت دقائقٌ عديدةٌ على هذا الصمتِ و من ثم نطقَ أحدُهم قائلاً: نعم يا أصدقائي، لقد رحلَ عنّا من كان سببًا في سعادتنا الأزليةِ و منذُ الآنَ سيَعمُّ الخريفُ على أفئدتنا و سيسكُننا الخوفُ و الشوقُ إلى الأبد، فما علينا إلا الدُعاءِ لصديقنا كُلَّ يومٍ و لنتمنَّ أن يَزورَ أحلامنا يومًا.
كُلُّ هذهِ الأحداثِ حلَّت بعدَ رحيلي بأربعٍ و عشرينَ ساعةٍ، اختلاطٌ في المشاعِرِ و انهدامٌ لمبانٍ في القلوبٍ و انهمار أمطارِ الأعيُنِ و حَسرةٌ سَكنتْ أرواحَ الجميعِ، ظنَّ البَعضُ أنَّ ما جرى مُجردُ كابوسٍ يَمضي بعدَ حينٍ، لكنّ الحقيقةَ أنَّهُ كُتِبُ لهم الاستمرارَ برفقةِ الكابوسِ ذاك إلى أن يحينَ أجَلُهم و يأتوا إليَّ لنبني لنا عائلةً هُنا تحتَ التُرابِ الذي خُلِقنا منهُ.
رجائي منكم عائلتي، زُملائي، رِفاقَ دربي و أحبَّتي، ضُموني إلى دُعائكم كُلَّ ليلةٍ، اذكروا محاسنَ الأوقاتِ التي عشناها سويًا، لملموا شتاتَ روحي في صلواتِكم، إياكم و الذهابَ بي إلى غياهِب النسيانِ بمرور الوقت، أنيروا قبري بدعائكم فأنا لا زلتُ كما كُنتُ في السابقِ، أخافُ العتمةَ و الوحدةَ، لذا كونوا رفقائي دائمًا، عاهدوني بعدمِ الغفلةِ عمّا عشناه، عاهدوني بالبقاءِ معًا و كأنني حيٌ، لأُخَلَّد أيسر داخِلكم.
الآء عبد الجبار كايد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: