الأحد , أبريل 11 2021

ت. تامر عزت يكتب: الرسالة الغامضة (قصة قصيرة)

 

وجد ظرفًا بني اللون على مكتبه في شركته الخاصة ، كان الظرف كبيرًا وبداخله رسالة ومُدون عليه من الخارج إسمه، سأل سكرتيرته عن سر هذا الظرف التي كانت بدورها متوترة قليلا وهي تجيب، لاحظ ارتباكها من نظرات عينيها وأخبرته بحضور رجلاً متقدماً في العمر فقد جاء قبل وصوله بنصف ساعة وأعطاها هذا الظرف وأبلغها بأن تضعه على مكتبه وهمّت أن تفتحه لكنه حذرها بلهجة حادة وقاسية ارتعدت لها مفاصلها من رد فعله و عندما أرادت معرفة إسمه كان قد تبخر وكأنه لم يكن له وجود والأدهى من ذلك أنها بحثت عنه خارج المكتب ولم يكن له أدنى أثر ، شكرها المدير وطلب منها العودة لعملها ، قطب حاجبيه وهو يفتح الظرف الذي كان مفتوحا بالفعل وأخرج منه الرسالة، بعد دقائق سنجده وقد اتسعت عيناه وتسارعت دقات قلبه ، كان يلتهم الأسطر التهامًا ، خفقان قلبه تزداد كلما توغل قليلاً في أعماق الرسالة، فك رباط عنقه فقد أحس بأن روحه قد بلغت الحلقوم وقام من مكانه وفي يديه تلك الرسالة وكأنه يهرب من شيء ما ..شيء بين طيات تلك الأسطر تحمل غموضا عجيبا، لكنه لم يسعفه القدر فقد دارت به الدنيا في لحظات وسقط مغشيًا عليه ..سقط فوق الرسالة الطويلة الغامضة.

لا نزال في غرفة مكتبه ، فقد هرعت إليه السكرتيره عندما سمعت بارتطام جسده على الأرض ،أفاق بطلنا وجسده في حالة رخوة ، و بصعوبة فتح عينيه بعد القيام باسعافات اولية، كان الطبيب الذي يجاوره في نفس الطابق قد حضر سريعا عندما سمع صراخ السكرتيره، لم يكن طبيبه فقط ولكنه صديق عمره، طلب من السكرتيره الخروج وإعداد فنجان قهوة ثقيلة له لإعادة اتزانه مرة أخرى وفنجان آخر لصديقه لسماع قصته بهدوء ،قام من مكانه يجر قدميه فقد كان لا يستطيع تحريكهما كأن بهما أثقالا، أمسك بالأوراق واعطاها لصديقه ليقرأ عليه ما تحتويه من غموض بصوت مسموع .

” جدي الحبيب …تحية طيبة وبعد ،
قد تندهش من رسالتي تلك في هذا التوقيت ، هذا الوقت الذي تمر به بضائقة مالية شديدة بسبب ظروف إقتصاد الوطن المتعثر ، وأن السنوات الماضية لم تكن على ما يرام فقد حدثت ارتباكات سياسية مُركزة وشديدة التعقيد ، مما أدى إلى نشوء خلل اقتصادي واجتماعي داخل الوطن وفراغ سياسي خارج الوطن ، ولكنها مرحلة وستمر بلا شك، فقد كنت تقول لي دائما ( إن الحياة مليئة بالمشاكل ولكل مشكلة حل ولكنها مسألة وقت ) نظر صديقه إليه مُعربا عن عدم فهمه ولكن بطلنا أشار له بأن يُكمل القراءة -استطرد الطبيب-
” لذلك يا جدي العزيز أنا أرجوا منك التراجع عن فكرة الانتحار التي تراودك هذه الأيام”.

سكت الطبيب عن القراءة ونظر لصديقه وعينيه تسأل عن صحة هذه المعلومة.. أومأ بطلنا برأسه إشارة له بصحتها ..اضطرب الطبيب وأكمل :
” هل تذكر صديقك (………) الذي كنت تقول عليه انه مُصاب بخلل نفسي والذي أثر في شخصيتك كثيرًا وهذا الاضطراب الوجداني الذي كان يعاني منه قد علّمك الكثير فيما بعد ، أذكر أنك قلت لي أنك توحدت مع شخصيته لفترة طويلة جعلت منك شخصًا واثقا من نفسك ومن طريقة تفكيرك ومن حكمة قراراتك.
جدي الحبيب..اصمد ..أمامك مأزق حقيقي ستمر به بعد عدة أشهر ولكن بسبب صديقك الذي ذكرته لك منذ قليل سيكون هو مفتاح الحل ..نعم انت من سردت لي ذلك ..صديقك الذي أحمل نفس اسمه تيمنا له وأفضاله العديدة لك .
جدي الحبيب..لقد كنت خير صديق لي..علمتني الكثير من أسرار الحياة وكانت لك نظرات ثاقبة وبصيرة مستنيرة وحان الوقت لارد لك الجميل..
جدي الحنون.. أرجوك لا تفعل..لا تنتحر..
أحتاج إليك مستقبلاً..كامل حُبي وأشواقي ..حفيدك”

انهى الطبيب القراءة ونظر لصديقه غير مستوعب أي شيء ، وعندما هدأ بطلنا وانتهى من قهوته ..أخبره بأنه بالفعل فكر في الانتحار وبالفعل فكر في صديقه الذي أشير إليه في الرسالة وهو لم يُخبر بصفاته لأحد من قبل
وهو يصدق هذه الرسالة تماما وطلب من صديقه قراءة آخر سطر ..لأنه لم ينتبه له جيدا..فتح الطبيب الرسالة مرة أخرى وعلامات الاستفهام تطوف حول رأسه وقرأ السطر الأخير والتي على أثرها اتسعت عيناه وصُدم وبصوت مسموع قال :
حفيدك ( بهاء ) القادم من المستقبل.

ابتسم بطلنا في خفوت وسأل : ما رأيك فيما قرأت يا د. بهاء ؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: