الأحد , أبريل 11 2021

نسيم قبها يكتب … بايدن وإنكمش البعبع / قراءة في تحجيم إيران المقبل

بايدن وانكماش البعبع
قراءة في تحجيم إيران المقبل

نسيم قبها

رغبت إدارة بايدن في العودة لتنفيذ اتفاقها المبرم مع إيران سنة 2015، ولم تخف أولوية ملفها النووي ، ولكنها تستغل العقوبات على إيران وانسحاب ترمب من الاتفاق وبرنامج الصواريخ البالستية الإيرانية لإعادة ضبط أنشطتها التي لم تعد على جدول أعمال مرحلة التطبيع والتحالف العربي الإسرائيلي، إذ أن الاتفاق النووي السابق قد صمم في عهد أوباما في إطار الدور الذي لعبته إيران في تفكيك المنطقة على أسس مذهبية، وتمت هندسته بصورة مثيرة لقلق السعودية و”إسرائيل” ظاهريًّا؛ لخلق مصلحة سعودية إسرائيلية مشتركة تبرر التحالف والتطبيع في مرحلة لاحقة، ولذلك اعترضت إسرائيل وتحفظت السعودية على الاتفاق في ذلك الحين.
ثم جاءت إدارة ترمب بـ”صفقة القرن”، وبتفاهم مع إسرائيل لتصعيد الموقف مع إيران عبر انسحاب أميركا من الاتفاق وإطلاق يد إسرائيل في ضرب القوات الإيرانية والمليشيات التابعة لها في سوريا لاستدراج ردات فعل إيرانية لضرب السعودية عبر جماعة الحوثي اليمنية، وذلك لفتح الطريق أمام التقارب العربي الإسرائيلي والحل الإقليمي الذي تُرجم باتفاقيات العار التي أبرمتها الإمارات والبحرين والمغرب والسودان تمهيدًا لإلحاق بن سلمان بقطار لتطبيع والتحالف.
ثم جاء بايدن صاحب مقولة : “إسرائيل هي أعظم قوة تمتلكها أميركا في الشرق الأوسط … تخيل ظروفنا في العالم لو لم تكن هناك إسرائيل، كم عدد البوارج التي ستكون موجودة؟ كم عدد القوات التي ستتمركز؟”؛ ليكمل مراحل تشكيل المنطقة وصياغة تحالفاتها وأمنها بمشاركة إسرائيل التي تمثل له قاعدة عسكرية متقدمة، مستغلًا ما تسميه إيران بـ”الصبر الاستراتيجي” لضمان استمرار مسار التطبيع، وإعادة هيكلة النظام العراقي والسوري واللبناني واليمني، وفق مشروع الشرق الأوسط بحلته الحداثية التي تنزع صفة العدو عن الكيان الصهيوني، وتسمح باندماجه في المنطقة، وهو ما يتطلب دفع ابن سلمان إلى مزيد من الانفتاح على الحداثة والديمقراطية والليبرالية، واقتياد العالم الإسلامي لتقبل الوجود الصهيوني وتصفية “القضية الفلسطينية”.
وفي هذا السياق سخّر بايدن الفزاعة الإيرانية وملف جريمة قتل جمال خاشقجي من أجل إرغام ابن سلمان على المغامرة بمصيره، واتخاذ قرارات غير شعبية بشأن التحول السياسي الداخلي، وبشأن االتطبيع والتحالف مع “إسرائيل”، وبشأن الملف اليمني الذي يمثل عجز ابن سلمان فيه فضيحة تقدح بأهليته في وراثة الحكم، وترغمه على الانصياع لمتطلبات الحل الإقليمي.
وهذا ما ينطوي عليه تعليق مستشار رئيس حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم، ياسين أقطاي، على التقرير الذي أصدرته المخابرات المركزية الأميركية بشأن مقتل جمال خاشقجي “من المحزن تحول قضية خاشقجي إلى ورقة رابحة في يد الولايات المتحدة ضد السعودية”.
ويتقاطع ذلك كله مع ردود فعل إيران على تحجيمها وتقليم أظافرها في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وإلجائها إلى دفع أذرعها إلى التصعيد وبخاصة في العراق واليمن، واستهداف السعودية، لا سيما بعد اتفاق سنجار بين حكومة الكاظمي وحكومة أربيل، والذي يقضي بإخراج الفصائل المسلحة من الحشد الشعبي من المنطقة، وسد منافذ إيران على سوريا ولبنان عبر العراق، بموافقة تركيا، ما أحدث تراشقًا للاتهامات بين الدبلوماسيين الإيرانيين والأتراك في العراق مؤخرًا.
تحريك إيران لأدواتها وتقوية موقفها للتفاوض مع أميركا
ومن جانب آخر، لم تدخر أميركا فرصة لضرب قوات الحشد الشعبي في المنفذ الإيراني عبر الحدود العراقية السورية في منطقة “البوكمال” في الأسبوع الماضي؛ لردع إيران وأذرعها عن إعاقة اتفاق سنجار الذي من شأنه أن يجرّد إيران من أهم موقع استراتيجي في شمال العراق على الحدود السورية، وللضغط على الحشد الشعبي الذي رفض اتفاق سنجار وما يزال يبدي مقاومة لدمجه في القوات العراقية تحت قيادة الكاظمي، وينفذ هجمات ضد القواعد العسكرية التي تضم جنودًا أميركيين ومن ذلك هجومه على قاعدة الحرير في أربيل في منتصف الشهر الماضي، واستهدافه لمحيط قاعدة عين الأسد قبل يومين. وذلك في محاولة من الحشد الشعبي لثني الكاظمي عما تعهد به لأميركا بشأن “فرض سيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة وحماية البعثات والمقرات الدبلوماسية”.
وهذه الهجمات من قبل الحشد الشعبي على القواعد العسكرية، وهجمات جماعة الحوثي على السعودية وحملتهم على مأرب، وإن كان لها دوافع تتعلق بخصوصية القضايا العراقية واليمنية؛ لكنها تمثل رسالة إيرانية بأنها تملك لجام هذه الفصائل، وتحاول أن تتخذ منها ورقة تفاوضية بشأن العلاقة مع الولايات المتحدة، وبشأن دورها الإقليمي الذي بات يتآكل مع تقدم مسار التطبيع الإسرائيلي الخليجي، ويقترب من تأسيس حلف دفاعي وأمني بدأ يُطل برأسه عقب الهجوم الذي تعرضت له سفينة النقل الإسرائيلية في خليج عمان مؤخرًا، والذي يرجح أن تكون إيران تقف خلفه. وهو ما صرح به يني غانتس عقب مباحثات أجراها مع الملك عبد الله الثاني ملك الأردن، والذي يتطلع هو الآخر إلى لعب دور يقربه من الإدارة الأميركية الجديدة، ويعيد إليه دعم الدول الخليجية من البوابة الإسرائيلية.

التصعيد في مأرب وإعادة هندسة الموقف اليمني للتقسيم
وأما على صعيد الهجمات الحوثية على السعودية، وهجومها على مأرب، فإن استهداف الحوثيين للسعودية لم يتوقف، بل تصاعد بشكل ملحوظ، وبخاصة في الهجوم الأخير الذي استهدف الرياض، بعد أن كان يتركز على مناطق عسير ونجران، وذلك بالتزامن مع الحملة الدبلوماسية التي شنتها واشنطن على السعودية بشكل عام وعلى ولي العهد ابن سلمان شخصيًّا، لا سيما بعد أيام من عودة المبعوث الخاص الأميركي ليندركينج من زيارته للسعودية ولقاءاته المكثفة مع وزراء الدفاع والخارجية وبحضور المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث وحضور قيادات عسكرية أميركية. مما يشير الى تحركات أميركية عملية بخصوص الحل النهائي للحرب في اليمن، وإعادة هندسة الموقف اليمني ليسير باتجاه حل تفاوضي يؤول إلى تقسيم اليمن، وهو الأمر الذي التقطه الحوثي لشن هجومه على مأرب لفرض وقائع على الأرض تضمن له نصيبًا في موارد الطاقة.
ومأرب تقع على بعد ١٢٠ كم شرق مدينة صنعاء العاصمة اليمنية التي يسيطر عليها الحوثي منذ انقلابه على نظام صالح في أيلول/سبتمبر ٢٠١٤، وهي منطقة غنية بالثروات النفطية وهي الإقليم “الشمالي” الوحيد الذي تسيطر عليه قوات حكومة هادي بشكل كامل. وتحظى بموقع استراتيجي إذ تحدها منطقة الجوف الغنية بالنفط شمالًا وفيها أكبر محطة تكرير للنفط في اليمن وأكبر محطات الكهرباء التي تعتمد عليها صنعاء بنسبة ٥٠٪ من احتياجاتها للطاقة.
وأما الاشتباكات الأخيرة التي بدأت عقب تصريح بايدن “يجب أن تتوقف الحرب في اليمن” والتي تدور في المشجح وهيلان بمديرية صرواح غربي محافظة مأرب، وكذلك منطقة الجِدعان شمال غربي المحافظة، فتهدف إلى السيطرة على المواقع الاستراتيجية وبسط النفوذ قبل بدء المحادثات النهائية لإنهاء الحرب وتصفية الملف اليميني مستغلًا وقف الدعم العسكري الأميركي اللوجستي للتحالف السعودي، إذ يسعى الحوثي إلى إضعاف هادي وتقاسم اليمن بينه وبين المجلس الانتقالي في الجنوب. ويؤكد ذلك هجماته المكثفة على محافظة مأرب من عدة محاور ومن جهة الجوف، وذلك بعد توغله في جبال دحيضة الاستراتيجية، بهدف تضييق الخناق على القوات الحكومية في منطقتي صافر والعلم، حيث توجد منابع النفط والغاز.
وكما هو واضح، فإن تراخي الموقف الأميركي بشأن الهجوم الحوثي على مأرب، وتعليق رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي حول المعارك الدائرة حولها، يكشف عن بداية التقسيم وفصل شمال اليمن عن جنوبه، حيث صرَّح الزبيدي بأنه “من المحتمل أيضًا تغيير المشهد السياسي من خلال حرمان حكومة هادي من آخر أراضيها الكبيرة المتبقية في شمال اليمن. وقد يؤدي ذلك إلى وضع يسيطر فيه المجلس الانتقالي الجنوبي إلى حد كبير على الجنوب، ويسيطر الحوثيون على معظم الشمال”. وهذا يعني تهميش الدور السعودي، سيما مع تعيين بايدن مندوبًا له في الملف اليمني، ووقف الدعم العسكري المقدم للسعودية في حربها في اليمن، وفتح قنوات أميركية للتواصل المباشر مع الحوثي، وذلك كله من أجل إنهاء الحرب بإشراف أميركي وأممي وطي صفحة “شرعية هادي”، الذي ما يزال على خلاف مع قوى الجنوب اليمني، مما يمهد لسيطرة الحوثي على الشمال وسيطرة الانتقالي على الجنوب، ولعل ذلك ما جعل ابن سلمان يجيّش القوى لصد هجوم الحوثي على مأرب مستغلًا التعاطف الدولي مع السعودية ضد الهجمات الحوثية الأخيرة على السعودية، في محاولة منه للقبض على ورقة تمكنه من التقرب إلى الإدارة الأميركية في ظل توجه بايدن لإنهاء الحرب في اليمن.
ومن المتوقع أن تبلور معركة مأرب مرحلة التقسيم وتمهد للعملية السياسية المؤدية إليها، إذ أن تداعيات المعركة من شأنها أن تبسط سيطرة الحوثي على أهم معاقل “الشرعية” أو تضع له قدمًا في مأرب تعزز موقفه التفاوضي، وتهمش الرئيس هادي لصالح المجلس الجنوبي، وتمكن الحوثي من امتلاك مقومات الدولة في الشمال من خلال السيطرة على موارد الطاقة أو تهديدها من أجل التفاوض حولها، ومن أجل الحصول على أوراق تفاوضية بشأن المنفذ البحري في الحُديدة، وبشأن التقسيم الذي نادت به إيران ضمنيًّا، ومهدت له إدارة بايدن بعدم تصنيفها لحركة الحوثي بالإرهابية، مع إبقائها لسيف العقوبات على كبار قادتها لإخضاعهم واحتوائهم . وهو ما يفسر ما نُسب إلى حسن نصر الله من أن “الحوثيين قادمون على نصر عظيم ورسم معادلة جديدة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: