الأحد , أبريل 11 2021

أحمد المغربي يكتب … العدالة العوراء

“العدالة العوراء “
بقلم الكاتب/ أحمد المغربي
العدالةُ هي : إحدى صفات الله تعالى، ورسالة أنبيائه، ومعقد آمال صحابة رسلهِ، وإقامتها بحقٍ هدف كل أوليائهِ، وهي على مرِّ الزمان مطلب الشعوب ومنتهى طموح الثائرين، والمُلك لا تصلحهُ إلَّا الطاعة، والرعيَّة لا يُصلحها سوى العدل، إذن هي أساس المُلك وأصل صلاح الرعية ومنبع تقدّم الأمم، ولكن أن تُنفِّذ القانون وتُقيم العدالة على المستضعفين الذين في قبضتك وتحت سيطرتك دون غيرهم؛ سواءٌ كانوا من عمومِ الناسٍ في بلدٍ أو موظفين في حكومةٍ أو عمالاً في مصنعٍ أو حتى طلابًا في مدرسةٍ، وهم لم ينالوا نذرًا يسيرًا من حقوقهم، ولم يُعرَّفوا بواجباتهم حق المعرفةِ، وتدع أولئك ذوو النفوذِ وأصحاب المالِ والذين لهم سندًا ومعارفًا يتلاعبون بالقانون تارة، ويكسرونه تارة أخرى، وأنت تشاهدهم كالصنم لا تحرِّك ساكنًا ولا تعترض على شيء؛ لأنهم من أعيان الناس هذا لعمري، قمةٌ في الفساد وعورٌ في العدالة وظلمٌ بيّن، فقبل أن تُقيم العدالة على الآخرين يجب أن تُقيمها على نفسك وخاصتك المقربين أولاً، فضلاً على أداء الحقوق التي عليك والقيام بالواجبات الملزمة منك على أكمل وجه ممكن، ثم بعدها نفِّذ القانون بكل حسم وأقمْ العدالة كما شئت، فمثلاً لا يُعقل أن تكون أنت المسؤول المنوط به تطبيق القانون وأنت أول من يدهسه تحت قدميه إذا دعت الحاجة أو عندما يتعارض مع مصالحك، أو تطبِّقه على فئة ضعيفة لا حول لها ولا قوة، وتترك تطبيقه على عليَّة القوم ونخبته، أو تُجازي أحدًا من موظفيك على الاختلاس وأنت لم تعطهِ راتبه منذ شهور، أو تعاقب ابنك على ارتكاب فعلاً ما قبيحًا وأنت لم تنههِ عنه ولم تُظهر له قبحه ولم تعلِّمه مكارم الأخلاق، وهنا تُحضرني قصة فاروق الأمة رضي الله عنه، حيث لكل مقامٍ مقال وإن ذُكر العدل يجب أن يذكر صاحب رسول الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ حيث وردَ أنه قد عطَّل حد السرقة في عام الرمادةِ (سنة المجاعة) وذلك لمن يسرق ليسدُّ جوعهُ ويُطعم عياله فقط ؛ لأن الدولة لم تستطع أن توفِّر القوت الأساسي للأمة الإسلامية من المأكل والمشرب آنذاك؛ وهذا عندما حلَّت ببلاد المسلمين مجاعة وانتشر الجفاف بين ربوعها، فرأى ابن الخطاب إن إقامة حد السرقة في هكذا ظروف يُعدُّ ظلمًا فعطَّله لحين زوال الغمة، فإلى كل راعٍ سلّمه الله رقاب الناس وجعل قضاء حوائجهم بين يديه، وكلّفه بإقامة الحق بينهم وإرساء العدالة عليهم، اتقِ الله فيمن تعول، وأقمْ العدالة كاملة غير منقوصة، فقبل أن تنفَّذ القانون عليك أن تكون أديت كل الحقوق لكل من هو تحت قبضتك، ولا تميّز كبيرهم ولا تحقِّر صغيرهم ولا تمنع ضعيفهم وتعطي قويهم ارفق بهم جميعًا، فذلك خيرٌ لك وأصلح لدينك ودنياك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: