الأحد , أبريل 11 2021

/ قراءة في قصيدة ( عتبة الضياع ) للشاعر ( صفاء السعد ) من ديوان ( مديح من حطام الروح )بقلم : الناقد الأكاديمي محمد كتوب المياحي _ العراق

م / قراءة في قصيدة ( عتبة الضياع ) للشاعر ( صفاء السعد ) من ديوان ( مديح من حطام الروح )
بقلم : الناقد الأكاديمي محمد كتوب المياحي _ العراق
( مديح من حطام الروح )(1) ديوان شعر للشاعر صفاء سعد , وهو باكورة منجزه الشعري .
قبل الخوض في تحليل هذا النص, أرغب بالخوض في ( العنونة )؛ بوصفها المختزل للمتن, والعنوان ( يمدنا بزاد ثمين لتفكيك النص ودراسته)(2) , وكما يحمل متن النص – بشكل عام – إشارات نصية متنوعة, كذلك يحمل إرهاصات سياقية, وهذا أيضا الحال الوظيفي للعنوان.
ومن هنا قد تحمل العنونة أبعاد متعلقة بالواقع الاجتماعي أو السياسي أو الديني وانعكاساته وقد تكون بشكل مصرح به أو بشكل ( إيحائي أو رامز أو سيميائي), وهذا ما نجده في عنوان القصيدة (عتبة الضياع ), سأحاول في هذا التحليل أن أربط ما بين العنوان بوصفه ( عتبة نصية ) والمتن, وكذلك كونه نصا موازيا .
( الضياع ) الذي يطرحه لنا صاحب النص في عنوانه هو رسم لملامح جمالية و سويوكلوجية ؛ فتارة يقول :
( في عتمة اللاشيء ) .
وتارة يقول في مقطع :
(( يوقد فيك صبحا من ضباب …. يحول وجهك الفضيَّ من حجر)) .
فالجانب الجمالي يكمن في إطارين :
الأول منهما ( الاستعارة ) والتي بلغت حد الانزياح اللغوي؛ فقد جعل الشاعر للـ( اللاشيء)عتمة فمع أن اللاشئية تحاكي ( العدم ) إلا أن الشاعر أكساها الحضور ومن ثم أصبغها بالسواد والسجى ( عتمة ) .
أما الثاني فهو ( المبالغة في الوجع) وكما ذكرنا سالفا فقد يحمل النص برمته إرهاصات ومتعلقات الحياة المعيشة ؛ نجد أن الكاتب اختزلها بلفظة ( حروف قابلة للقراءة ), هذه الحروف سيميائية لظنون الشاعر التي يجدها مغالطات, وبهذا طرح لنا الشاعر ( المبالغة ) في الحزن ؛ فقد كنى عنه بتحول الوجه النقي إلى (حجر) من شدة الوجع, معتمدا بذلك على توظيف الاستدعاء الأسطوري و محاكاته ( أسطورة ميدوزا أو ميدوسا ) -حسب اختلاف الترجمة – , وهنا محاولة من صاحب النص بتشبيه الحروف وهي ( الواقع بكل جزئياته) بتلك الأسطورة, فكما كانت (ميدوزا) فتاة جميلة ومن ثم تحولت إلى فتاة بشعة, كذلك الحياة المعيشة هذا من جانب, ومن آخر تلك( الحروف) تحولت إلى لعنة تحيل ما حول الشاعر الى أشياء لا حياة فيها , يقول :
أي الحروف تقرأ
يوقد فيك صبحا من ضباب
يحول وجهك الفضي من حجر
وتستمر ( رحلة الضياع ) التي مهد لها العنوان, رحلة ضياع النفس والحقوق والإحساس بالتلاشي , فلم يجد الشاعر من بديل إلا الولوج في عالم بديل, عالم لا يكون رهين واقع , عالم الخيال والحلم والأمنية يجد فيه الشاعر تحقق الهدف التائه متكأ على رغباته وميولاته, عالم لا يؤمن بالمدنس ولا يؤمن بالقيود؛ ومن هنا نجد الشاعر يستعين بالطبيعة والفن والأدب للخلاص من هذا الضياع يقول :
قد تنفع الأشعار
تصنع عالما من أقحوان
قد ينفع السياب
في قشع الضباب عن العيون
ويكسر القيد المصاع
على العوالم وضياع
قد ينفع تولستوي
في إظهار ما يخفي
في صميم الرواية
هذا الهروب إلى المستوى الخيالي ومحاولة وجود الحلول بعدما عجز الواقع المعيش من تحقيق الأمنية أمس الملاذ الوحيد .
من هنا عجز الشاعر عن إصلاح ما أفسده الآخرون جعلته يهرب إلى عالم يرسمه في حلم (3) , ففي النص أمسى كل من ( الأشعار و السياب و تولستوي ) , ( الأشعار ) هي من تخلق العالم المتوخى عند صاحب النص ( عالم الأقحوان) .
أما توظيف الشخصيات الأدبية والفكرية ( السياب وتولستوي) , فهي دلالات سيميائية توحي بأن الحل قد يكون بالجانب المعرفي و الجمالي, وهنا لابد من الإشارة أن الشعراء العراقيين المحدثين كثيرا ما تتجسد ليهم هذه الفكرة , وعليه ( إن الشاعر العربي لا يصدر في حزنه عن موقف من الحضارة المادية , بل ان أحزان الشاعر العربي المعاصر الحقيقية مصدرها المعرفة ) (4) .
وبهذا التوظيف يكون الشاعر بوساطة الأسطورة أو الشخصيات الأدبية ملاذ ومحاولة للابتعاد عن الحاضر ومآسيه ومحاولة للتخلص من ضغوطات الحياة , وهي في الوقت ذاته أسلوب خفي للإعلان عن مواقف ومتبنيات , لذلك سعى إلى التداخل في الأزمنة وشخصياتها .
وتستمر الرؤيوية الشعرية بأفكارها المؤلمة, ليتضح بعد ذلك توظيف التراث الديني ( أسطول من الآيات و مكة وباب خيبر , دين محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – سنن الرسول ) .
هذه الألفاظ في النص جسدت رافدا لانتقاد التطبيق الخطأ للمقدس, فبرغم كم التعاليم السماوية التي تنظم الحياة والساعية إلى خلق حياة كريمة إلا أن الكثير لا تعي ما ينزل من الله في كتبه , قلوب لا تعي وعقول صلدة لا تفقه وصفها الشاعر بشكل جمالي فني ( أفئدة النحاس … أدمغة حديد) , ولم تنتهي رحلة الرصد الموجع والذي جعل من الشاعر ذات ضائعة, بل شخص وبشكل فني غير تقريري أو معياري أن الإنسان لابد أن يتحرر من القيود المتمثلة بتقديس الذوات التي تدعي القداسة وهي أبعد الناس عنها , وهي محاولة لفضح من يرتدي زي التدين لتحقيق مصالح شيطانية , يقول :
كذبت مولد الليل الجديد
من رحم أفئدة النحاس
ورحم أدمغة الحديد
أسطول من الآيات
ويقول :
إن مكة فصلت بابا لخيبر
ويقول :
إن دين محمد ساده تباع عبيد
إذا صاحب النص يجعل من حروفه أداة لتشخيص بعض السلبيات ضمن واقع معيش, فهو يري أن الدين والتعاليم المنزلة و الحق يجب أن تبني الذات, وأن نمايز بين من اتخذ من الدين شباك يصطاد المصلحة وهو خلافا للمنهج الحق , فلا عبودية بقانون السماء .

(1)- مديح من حطام الروح , ديوان شعري صدر للشاعر صفاء سعد من العراق – ذي قار عن دار (ليسز تومانيا ) – العراق – 2020 .
(2) – دينامية النص ( تنظير و انجاز ) , محمد مفتاح , المركز الثقافي العربي , ط3 , 2006 : 72 .
( 3) – ينظر : الغربة في الشعر العربي الحديث , رسالة ماجستير , منى علام , جامعة دمشق , 1983 : 29 .
( 4)- الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية , د عز الين اسماعيل , ط2 , دار العودة – بيروت , 1973 : 354 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: