الأحد , أبريل 11 2021

الجزٌارة الناعمة .. رواية مسلسلة للدكتورة : عزة العلوي (2) ..ورؤية تحليلية يكتبها: خالد جعفر

الجزٌارة الناعمة (الجزء الثاني)

بعد أن انهت التعقيم
بدأت الجراحه وبعد ٣ ساعات انهتها ورغم انها اضطرت إلي أن تبتر تحت الركبه
الا انها كانت سعيده بالعمليه لأنها استطاعت ان توقف امتداد الغرغرينا إلي الساق
خرجت منهكه وانتظرت حتي أفاق المريض ونقل الي العنايه المركزه
فقد كانت حالته العامه غير مستقره نظرا لكثره وشده أمراضه
تحدثت مع زوجته شارحه لها إرشادات مابعد العمليه
وأستأذنت خارجه
وأعطت أوامرها للنائب النوبتجي
لم تستقل سيارتها ولا القطار
فضلت أن تمشي
وكانت هذه عادتها بعد
الانتهاء من بعض الجراحات الكبري
كانت في حاجه إلي هواء نقي
كانت في حاجه إلي ان تمشي بعيدا عن المستشفي ورائحتها وأن تتطلع إلي وجوه الماره العاديين وليس المرضي في المستشفي!
بهدوء إبتسمت لحارس العقار
ودلفت إلي شقتها الصغيره المطلع علي المحيط الأطلنطي
إطمئنت علي المريض عن طريق قراءه ملاحظات النوبتجي في الكومبيوتر
أمضت بعض الوقت تستمع إلي القران بصوت مقرئها المفضل
اتمت صلواتها ثم خلدت إلي نومها المتقطع كالعاده
وفِي الخامسه صباحا
بدأت في ادخال بيانات المريض الي ملفات بحثها الخاص في الكومبيوتر
تسمرت عيناها أمام عدد المرضي!
هالها الرقم
الذين تم بتر اطرافهم٨٥
ياإلهي من أين أتي هولاء؟
هل قمت بكل هذا في خلال سنتين فقط؟
وأثناء إنشغالها في بحثها
جاءها تليفون من الطبيب النوبتجي
السيد جون توفي نتيجه أزمه قلبيه
سألته: هل حدث أي نزيف في موضع الجراحه ؟
لا ولكن قلبه توقف ولَم يتجاوب مع محاولتنا
حسنا انتظرني انا قادمه وسأقوم بنفسي بإبلاغ الأسره
فبل أن تطفئ الكومبيوتر
شطبت علي العدد
ليصبح ٨٤!!
وضعت رأسها تحت الماء واغمضت عيناها المرهقتان
وهي تحاول أن تفيق من غيبوبه التعب
إرتدت ملابسها سريعا
انهت صلاتها وهي تطلب من الله القوه كما اعتادت
انطلقت إلي محطه القطار
وارتمت علي كرسي القطار وهي شارده ولَم تفق الا عند النداء الاوتوماتيكي لمحطه المستشفي
في الساعه السادسه والربع
بعد وصولها ومناقشاتها الحاله مع النوبتجي واطباء العنايه انهت اجراءات الوفاه الورقيه
وختمت ورقه مريضها بختم
Deceased/متوفي
ووقعت اسمها بجانبه وهي ترتشف قهوه الصباح
ثم جلست امان شاشه الكومبيوتر لتكتب التقرير الأخير عن هذا المريض
انتهت من هذا كالروبوت في اقل من ٢٠ دقيقه
أبلغوها أن زوجه المتوفي تنتظرها
في الإستقبال
بخطوات سريعه ذهبت إليها
وإقتربت منها تواسيها وتنقل لها الخبر الحزين
كانت الزوجه تبكي قائله ليته إستمع إلي نصيحتك
سيده جون أنا أسفه
إذا كان هناك أي شئ أستطيع المساعده فيه لاتترددي من فضلك
اعذريني عندي عدد كبير من المرضي لابد من المرور عليهم
إلي اللقاء وتعازيي مره أخري
تمتمت بهذه الكلمات بسرعه وهدوء وتمالك أعصاب
كعادتها وهي تبتسم إبتسامه أتوماتيكية
تركت الزوجه
ثم بدأت يومها بالمرور علي مرضاها
(يتبع)

رؤية تحليلية يكتبها : خالد جعفر

تهادت الكاتبة والأديبة الدكتورة عزة العلوي في روايتها وتمادت في تصوير حالة الرقة والنعومة لبطلة الرواية الدكتورة ريم ، في أنها استطاعت بحس الطبيبة ومهنيتها ، ورقة الأديبة في كتابتها أن تحجب عن القارئ تفاصيل إجراء عملية بتر ساق المريض جون بقسوتها وألمها .. ونقلتنا مباشرة إلى حالة ما بعد انتهاء العملية ، ورسمت سعادة الدكتورة ريم بنجاح العملية وبتر موطن الداء رغم الحالات المرضية المزمنة الأخرى التي كان يعاني منها جون والتي قد تؤثر بالطبع على حياته إن آجلا أو عاجلا

هنا نلاحظ امتداد حالة التناقض الخفي التى نراها في نسيج الرواية والذي نلاحظه من الأحداث ، فنجد سعادة الدكتورة ريم مع ألم المريض جون .. سعادة الدكتورة ريم هنا سعادة مهنية بحكم طبيعة العمل في أنها استطاعت بنجاح أن تبتر ألما كان يوشك أن يودي بحياة جون .

ثم تنقلنا الكاتبة بمهارة السرد إلي حالتها الذاتية وعالمها الخاص ، وكأنها تبغي أن تحرك معها روح القارئ من عالم الجراحة وحجرة العمليات التي عاشها مع الأحداث إلى عالم الدكتورة ريم الهادئ الرقيق الناعم ، لتكمل مسيرة حالة التناقض والصراع الخفي في بناء الرواية ، وذلك حين رفضت الدكتورة ريم أن تستقل السيارة أو القطار لعودتها إلى بيتها بعد انتهاء يوم شاق من العمل ، ورأت أنها في حاجة إلي أن تمشي علي قدميها رغم كل هذا التعب ومشقة العمل والضغط العصبي طوال ساعات الجراحة ، سابحة في عالمها الخاص مستمتعة بسماع صوت قارئها المفضل يتلو بعض آيات القرآن الكريم . إنها حالة من الانفصال يعيشها ولو للحظات كل من كانت مهامهم في الحياة صعبة ومجهدة وعملهم شاق .. إنها حالة إيمانية تعيشها الدكتورة ريم لتؤكد بها فكرة التناقض بين عالم المادة وعالم الروح . هي أشبه بحالة من التصوف تأخذ روح المحبين إلى عالم من الراحة والهدوء وغسيل النفس وتطهيرها

وفجأة جاءها خبر موت جون بأزمة قلبية لا علاقة لها بعميلة البتر التي جرت لساقه . أسرعت الدكتورة ريم وهي تتحامل وتتساند على قوة يمنحها الله لمن يقتربون إليه دوما ، ويمنحها لخاصته من المخلصين ، وأخذت طريقها عائدة إلى المستشفى لإنهاء إجراءات وفاة جون

.. ورغم مافي عالم الدكتورة ريم من ضجيج العمل و قسوة ومادية الغرب إلا أن روحها مازالت تهفو إلى مصريتها وشرقيتها ، وهنا نلاحظ استمرار مسيرة فكرة التناقض تظهر في كل ملمح من ملامح الرواية ، فهي العمود الفقري لبناء العمل الأدبي ووسيلة الانتقال التي تنتقل فيه الدكتورة ريم من عالم الغرب بقسوته المادية التى تخلو من الروح ، إلى عالم الشرق بروحه النقية وأرضه الخصبة ومنبع نشأتها الصافي وذكرياتها الجميلة ، ذلك عندما تلقت دعوة القنصل المصري في نيويورك لحضور ندوة ثقافية وفنية يحضرها بعض المصريين .. وكأن هذه الدعوة كانت بمثابة عودة الروح إلى الدكتورة ريم لتأخذها إلى عالم النقيض إلى روح الوطن ، إلى مصر المحروسة التى تمنحنا الحياة ونغسل بها هموم غربتنا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: