الثلاثاء , أغسطس 3 2021

الصورة الشعرية والبعد السردي في رباعية ” يا زخات المطر” للشاعر: حمد حاجي.بقلم الأستاذة: منى أحمد البريكي 

الصورة الشعرية والبعد السردي

 في رباعية ” يا زخات المطر”

للشاعر: حمد حاجي

 بقلم الأستاذة: منى أحمد البريكي

 القصيد:

..

اــــــــــــــــــــ يا زخات المطر…! ــــــــــــــــــــــــــــ

بيوم مطير..

كما الريح… ماهرة ماهره

يحرّكني حبها..

هواها فأتبعُها

مثل طائرة من ورقْ

وطفلا تراودني.. تحلّق بي

ذاهلا

لجزيرتها الساحره

اــــــــــــــــــــ * * * ــــــــــــــــــــــــــــ

بيوم مطير سريْتُ لمخدعها..

و تخيرتُ قبل الصباح…

وساعة جئتُ مع الفجر

أهمي مع القطرِ

أسري مع الغيم والعاصفه

نزلتُ بشباكها مثل عصفورة

باكيه..

رأيت.. على حافة الدوح

أنثى… ملاكا..

وتنزلُ…

ترمي لحافا على كتفيها

 وتلبس شبشبها..

ومرّٓرْتُ ثغري

فشٓقٓ اللمى شفتيها

كأنْ منهما

               كرز الحدائقِ

                   (في كل شطر)

جرى سلسبيلٌ…

               ومن شفةٍ كالزلال

همى كالغمام النبيذُ

اــــــــــــــــــــ * * * ــــــــــــــــــــــــــــ

تسافرُ فيّ..

كما قطٓراتٍ بفيروزجٍ أزرقِ

أحلّق بين سماواتها

فأراني…

وزنار قدس على مفرقي

كأن مبحرٌ…

لم يصل زورقي..

وحين تبخرتُ في شفتيها

 أفقتُ…

نقشت هواها على معصمي

فوق وشم القدرْ

و بين ضلوعي

وفوق غصون الشجرْ

وبيني وبين القمرْ..!

اــــــــــــــــــــ * * * ــــــــــــــــــــــــــــ

وأخرى رجعتُ…

وحين نزلتُ بشباكها

 مثل عصفورة

باكيه..

تعشّقْتُها متثاقلة

تذرع البهو

ترفع وجه الستائرِ

تمسح بالكف غيم الصباح!

ودون ضجيج

محتني.. محتني أناملها

من النافذه!!

ا=========أ. حمد حاجي..

تصدير:

الغالب في الشعر فطرة وفي النثر تعليم،

 وإن الباعث إلى الكلام البليغ يأتي بعد الباعث إلی الغناء.”

عباس محمود العقاد

…………………………..

المقدمة:

لئن كان الشعر تخييليا بامتياز بما يحمل من إشارات مضمرة تسائل الوجود والمعنى ولا تصفه، فهو المسافر من فكر ووجدان الشاعر إلى متلق يحمل ماض متوار للعلامات اللغوية المكتوبة صوتيا ومجازيا. ولأن اللغة الشعرية تتسلح ببلاغة أسلوبية وجدانية ، فإن لتعدد القراءات والتأويلات ما يبررها، لأن النص الشعري سيرورة تداولية ونتاج معان تختلف بمدى قدرة الشاعر على استعمال الاستعارة والرمز والانزياح في بناء صوره الشعرية الموحية ف”ليس الشاعر الشخص الذي لديه شيء ليعبر عنه، بل الشخص الذي يخلق أشياءه بطريقة جديدة.” كما يقول أدونيس. لذلك على المتلقي استنطاق الألفاظ المشحونة بطاقات شعورية ومعنوية تحمل مداليل ثاوية.

لكن ما العمل إذا تشاكل الشعر بالسرد وجاء النص قصيدا سرديا يتوفر على كل شروط القص ومقوماته كالاستهلال والعقدة وتنامي الصراع بين الشخوص والقفلة المدهشة والتكثيف ووحدة الأفضية كما في هذه الرباعية؟

_1_ عتبة العنوان

يا زخات المطر!..

 عنوان استعاري ومفتاح إجرائي يستقي من معجم نفسي بامتياز ويمكن اعتماده مؤشرا دلاليا ذا علامات لسانية دالة. وهو مركب لفظي تكون من

*يا: لنداء القريب البعيد وتستعمل في نداء الندبة كما في الاستبعاد إذا كان المنادى بعيد المنال، كتنبيه واستدعاء وطلب يعبر عن وجود مسافة فاصلة بين المنادي والمنادى مجازا أو حقيقة.

* زخات المطر: المنادى مضاف متبوع بمضاف إليه قدم دون جملة جواب النداء التي تحتوي المضمون المراد توصيله إلى المنادى للتدليل على سمو منزلته وبعد مناله ويعبر بلاغيا عن الحب والأسى والتمني.

و”رب حذف أبلغ من ذكر.” كما يقول الجرجاني.

فالخطاب الشعري هنا “خطاب لغوي يفرغ نفسه في قالب نظام اصطلاحي يشكل بالضرورة عملية اتصال.” ☆1☆

وللعنوان صدى في القفلة المدهشة التي انطوت على مفارقة، لأن زخات المطر تداوليا ديمة لا تروي رغم الاستبشار بحدوثها والمطر رواء المعاني وسيل كلمات مضمرة لم يقلها الشاعر وأغنى وأنقى مما قاله.

 _1_ أنواع الاستعارة

أ_استعارة الحب والذكرى والمطر

أخرج الشاعر حمد حاجي الاستعارة من الإبدال إلى البناء على الصور، وتظهر الاستعارة التصويرية في اعتماد قصة واصفة اعتمدت تصوير الشخصية والأحاسيس المتناقضة تهدف إلى بناء كيان يرصده القارئ من خلال القصيد، ولأن “السرد يعني الذاكرة.”كما يعرفه بول ريكور فقد هيمنت على المقاطع التذكرية استعارات الحب والذكرى والمطر، ورحلت بنا الذات الشاعرة في رحلة صوفية إلى عالم علوي يروم الكشف والتجلي ويعتمد الخيال الرؤيوي يكون فيها الحب مزن رواء منعش وليس نارا حارقة والجسد لغة معبرة عن ثقافة بعينها فسليل بلاد مناخها صحراوي يفتقر للماء يراه تشبيها معبرا عن حاجة عاطفية بينما يعبر عن نفس الرغبة بالانجليزية مثلا بمفردات تحمل حرارة مفقودة.

(This warms deeply my heart)

_ب _ استعارة الأمكنة: تعبر الأمكنة عن الحالات النفسية فالمكان يحمل إيحاء وهذا ما يجعله شعريا متفاعلا مع المتلقي وسوابقه العلائقية والفكرية لأنه وبحسب سعيد بنكراد ” المعنى ليس محايثا للشيء ولا سابقا عليه، بل هو حصيلة ما تضفيه الممارسة الإنسانية إلى الوجود المادي الذي يميز الأشياء.”

ف”الألفاظ دالة على المعاني بتواطؤ لا بالطبع.”

_3_ البنى التركيبية للقصيد:
إن الشاعر لا يكسر النمطية اللغوية بقدر ما يستثمر اللغة معجميا. فالبنى النحوية والصرفية تدعم أدبية نصه المتقاطع مع السرد ويظهر في تعددية نحو النص والظواهر اللغوية .
من خلال البنى الراصدة لاشتغال الأفعال والجمل والضمائر. نلاحظ هيمنة الجمل الفعلية على المستوى التركيبي للقصة ما يدل على حركة السرد وديناميكية الأحداث وهي أفعال تعود على المتكلم الشاعر أو عن حبيبته الغائبة .
أما الجملة الاسمية التوكيدية والواصفة فهي ذات دلالات معاكسة للجملة الفعلية وهي خبرية توقف مسار السرد لتصف الحالة
إضافة إلى هيمنة ضمير المتكلم المفرد الدالة على النرجسية والاكتفاء. في حين كان ضمير الغائبة
عائدا على شخصية أصبحت عاملا مضادا بعد أن كانت عاملا مساعدا
في دلالة على افتراضية نافذة يسهل غلقها بأنامل متخلية بالمحو وفراق يسبقه قلق وتردد، وهذا ما يبرر غياب الحوار في النص رغم أنه أحد مكونات فن السرد. ما خلق تداخلا بين الشعري والسردي لأن الشخصية تمثل نسقا يحدد لها مسارها.
أما عند احتساب مورفيمات الزمن والنوع الكلامي أفعالا وأسماء
نلاحظ غلبة للأفعال المنسوبة للذات الشاعرة. دلالة على الامتلاء وبالمقابل أفعال الحبيبة أغلبها في زمن الحاضر دلالة على وجودها بوجدان الشاعر والفعل الوحيد “محتني”
ارتبط بمورفيم الياء الدال على التملك
فهي وإن محته من النافذة يبقى المحو في مكان مطل على البراح ويدل على نرجسية الذات الشاعرة
ويدل الفعل الماضي على الثبات في الماضي في إحالة على زمن يسبق زمن السرد كما أن استعمال الأفعال الرباعية المزيدة بحرف
دالة على المبالغة والتكثير شحنها الشاعر عاطفيا.
إضافة إلى الاحتفاء بالمدود أو الصوائت الطويلة وهي ظاهرة أسلوبية اتبعها الشاعر توظيفا في الخطاب للدلالة على عمق التجربة الشعورية والانفعال. فهذه المقاطع صرخات محتجة على القطيعة في تراكيب إنشائية رسمت صورا ومشاهد تشاكل فيها السرد التعاقبي في تسلسل زمني متصاعد بالشعر المعبر عن المشاعر الفياضة والمتأرجحة بين الذكرى والتحسر ف”البنية الصوتية للشعر ليست بنية تزيينية، تضيف بعضا من الإيقاع أو الوزن إلى الخطاب النثري ليتشكل من هذا الخليط قصيدة من الشعر، بل هي بنية مضادة لمفهوم البناء الصوتي في الخطاب النثري تنفر منه وتبتعد عنه بمقدار تباعد غايات كل منهما.”☆3☆
لذلك تكشف بعض الكلمات عن دفق شعوري جمالي يكمن في الانزياح بغير المألوف إلى المألوف وإعطاء الحسي بعدا معنويا.
وفي قراءة للمفردات وبنياتها الدلالية نجد عبارات وتشابيه مختارة تخدم التيمة وتحيل على البعد العاطفي في تبئير لقصة حب تتماثل فيها الأنثى مع الوطن لتأتي الخاتمة المدهشة وتترك المجال مفتوحا للوصل والإبحار من جديد بقارب كلمات ربما توصله سكنا وذاتا فهو ليس مجرد صورة وإنما ذات حلقت يوما في سماء عينيها .

_4_ البعد السردي للقصيد

تظهر بنية القص من خلال جمل سردية شذرية مكثفة المعنى تؤثث صورا شعر ية مختلفة تعنى بالوصف الدقيق وتركز على تفاصيل الحدث فتصوره ببلاغة في إسقاط روحي ذي دلالات واضحة على إيمان الشاعر بالحب قضية لا تختلف عن اسمى قضاياه وهوية مقدسة استدعت الشال الرمز فهو يحملها في قلبه كما يحمل زنارا مقدسيا وفي اسقاطات أخرى يشبه نفسه بالطائرة الورقية وبالطفل ومثل عصفورة باكية كما أنه مبحر لا يصل. فالقصة الشعرية العاطفية تشاكل فيها حب المرأة بحب الوطن لتأخذ أبعادا فلسفية تنضج خصائصها في تنور سرد غني بأفعال الحركة تراوحت بين صيغتي الماضي والمضارع، فلسف فيها الشاعر الحب فجعله كينونة عاطفية وهوية والمرأة وطنا يتحرر عند احتلاله الجسد والروح.
فالسرد في النص يحتل “منزلة انطولوجية، يتحول بمقتضاها إلى مصدر أولي من مصادر المعرفة بالذات والعالم.” ☆4☆
والمرأة حلم وزخات على بلور نافذة فتحها الحاجي على شرفات قصيد مشى فيه على خطى امرئ القيس ومن بعده عمر بن أبي ربيعة مبرهنا عن قدرته على إتيان السرد من خلال الشعر ساردا تجربة عاطفية اعتمد فيها تقنيات القصة القصيرة وأبرز مقوماتها بتعبير شعري قصصي يوهم بواقعية الأحداث، ونسج أقصوصة منسجمة البناء بلغة شعرية اعتمدت الاستعارة والرمز والتشبيه استهلها بإطار الأحداث في كل مقطع سردي يتنامى فيها الصراع ليختمه بقفلة مراوغة في تكثيف يمثل أبرز مقومات السرد، وما استعماله للأفعال المزيدة إلا دليل على حركية السرد وتوتره وتعبير عن التشارك في الأحداث،
مع المرأة ذات الأبعاد الدلالية والسيميائية فهي شخصية ممكنة الوجود لا يشترط وجودها الواقعي بقدر وجودها الممكن. متحولة ومقدرة في الذات الشاعرة ومتشكلة في ذهن المتلقي بحسب تأويله لها كدال متحول حامل لمدلولات قيمية أو اجتماعية ثقافية.
لأن “تسرب القيم من موقع إلى آخر يجعل إمكانية تحول عامل ما من خانة إلى أخرى مسألة واردة باستمرار.”كما يقول أوبر سفيلد.
وبقدر بساطة لغة القص التقريرية وجدنا في الملفوظات دلالات تحيلنا على معنى المعنى بما فيها من انزياحات مختلفة واستعارات وتشابيه في شعرية تحافظ على سلامة بناء الظاهرة الفنية اللغوية وبصور استمدها من الطبيعة.
الذات الشاعرة رومانسية الشعور رومنطيقية الصور ذات قدرة على بلورة تجربة شعورية متفردة.
ويعتبر تقسيم القصيد إلى مقاطع أربعة تجديدا في القصة الشعرية إضافة إلى وحدة المضمون في بناء تخييلي جعل الصور أجزاء مشاهد تحتفي بالحكائية دون أن تغفل الجوانب الفنية الجمالية للشعر.

الخاتمة
في القصيد مسحة صوفية تعانق أدبا متلونا
بجمالية الصورة وحضور الحواس وتترك الباب على مصراعيه لفلسفة الوجود والغوص في الذات الحائرة العاشقة ، ورغم طغيان الجانب السردي إلا أنه لم ينقص من شعرية القص في عبارات مكثفة وجمل استعارية رمزية أعادت توحيد الذات وتجاوزت الموضوعي بما هو حركة داخلية.

الهوامش
☆1☆ مارك رسل، اكتساب اللغة . ترجمة كمال بكداش.ص120

☆2☆ ابن رشد، تلخيص كتاب العبارة لأرسطو. تحقيق د. محمود قاسم.1981 ص 57

☆3☆ جون كوهين . اللغة العليا. ترجمة أحمد درويش.. ص 4
☆4☆ بول ريكور،ص 32.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: