السبت , سبتمبر 19 2020

وفاء نبيل تكتب …..البحر بيضحك ليه

تقول كلمات الأغنية  ” البحر بيضحك ليه، وأنا نازلة أدلع أملأ
القلل” ..

وطبعا ليس من المعقول أن نصدق أن واحدة عاقلة
نزلت تملأ القلل من البحر، لأنها مثلا نفسها تشرب من ماءه المالح، لكن الحقيقة أن
المصريون  قديما كانوا يطلقون على نهر النيل
كلمة “بحرالنيل” ذلك تمجيدا له، أو لأنه أطول وأعرق نهر عرفه التاريخ،
ما علينا من الألقاب الأن، لكن نرجع لضحك البحر لهذه المرأة التى نزلت إليه وهى فى
حالة “دلع” أو نشوة ما بجمال النهر، وللمفاجأة أن النهر يبادلها نشوتها،
فيضحك لها وهو يمنحها ماءه العذب لترتوى هى ومن خلفها من أهل بلدتها.

النيل زمان كان يضحك، وكان لديه الأسباب
لضحكه وأبتسامه، بل وصخبه أيضا من السعادة، فقد كان ماؤه رائقا وشواطئه خلابة
وقريبة من الناس، قبل أن تلتهم هذه الشواطىء النخبة الثرية فقط، وتستولى عليها
ببناء النوادى والعوامات الخاصة والمقاهى التى لا يستطيع البسطاء دخولها لأسباب
كثيرة.

النيل كان يداعب أقدام المصريين الحقيقيين،
الصيادين الفقراء الذين يقصدونه للرزق، النساء اللاتى ينقلن الماء إلى البيوت عند
الغروب، وحتى الأطفال اللاهين بماءه على أجسادهم الغضة ..

كان حقا على النيل أن يضحك، فلم تكن هناك
مصانع تضخ إليه مخلفاتها الكيميائية بخبث، عبر أنابيب تصل إليه من تحت الأرض!!

لكن هل كانت ضحكة النيل حقيقية؟!

إذا تأملنا فى بقية كلمات الأغنية التى كتبها
بمرارة كبيرة الشاعر الراحل نجيب سرور، سنجد أنه اراد فقط بهذه الصورة التى رسمها
بكلماته عن النهر والمرأة، أن يخطف إنتباه الناس، ليلقى على أسماعهم ما سيتلوه من
أوجاع عن هذا البلد، فنجده يقول بعدها :

البحر غضبان ما بيضحكش

أصل الحكاية ما تضحكش

البحر جرحه ما بيدبلش

وجرحنا ولا عمره دبل..

فى أعتقادى أن هذا الشاعر العبقرى كان يتحدث
بداية عن نفسه ومعاناته، فهو إبن قهر قديم، عاينه مبكرا حين رأى والده وهو يتلقى
ضربات بالحذاء فوق رأسه من عمدة قريته بمحافظة الدقهلية، وصور هذا المشهد المأساوى
فيما بعد فى قصيدته الشهيرة “الحذاء”.

ولأن الغربة فى الوطن هى أقسى أنواع الغربة
على النفس، فقد عانى نجيب سرور معاناة شديدة من قهر وإضطهاد، على يد السلطة التى
تحمى نفسها من تأثير كلمة أو مقال، أو قصيدة قد توقظ وعى الناس.

وكأنه كان يدفع ثمن عبقريته وتفرده فى عصره،
وقدرة كلماته على التأثير فى الناس حوله.

فى مقطع آخر من الأغنية الحزينة التى كتبها
سرور كمقدمة غنائية لمسرحيته “منين أجيب ناس” يقول:

قللنا فخارها قناوى

بتقول حكاوى وغناوى

يا قلة الزل أنا ناوى

ما أشرب ولو فى الميه عسل ..

ها قد أخذنا الشاعر ببراعة من شط النيل إلى
أعماق الألم، ليفتح لنا طاقة نرى منها ما كان يحدث من بطش للسلطة فى هذا الفترة
التاريخية التى عاشها الشاعر، حيث بطش صلاح نصر وأعتقال الشباب، وما صاحب ذلك من
فساد فى كل مناحى الحياة، وسجلها التاريخ.

بينى وبينك سور ورا سور

وأنا لا مارد ولا عصفور

فى أيدى ناى والناى مكسور

وصبحت أنا فى العشق مثل ..

الشاعر يحدث بلاده التى يحبها ويعشقها، حيث
تم نفيه وأدرك ألم الإبعاد عن الوطن، وتم سجنه وتعذيبه، وهو صاحب موهبة، هى من
كانت تجلب له المتاعب، لأنه كان ثورة متنقلة، وشعلة حماس يخشى منها أصحاب النفوذ.

تعود كلمات الأغنية بين كل مقطع للبيت الأول
كأنه محور إرتكاز، لتنبيه المتلقى، أن البحر يضحك، لننتهى مع الأغنية، بأنه لا
يضحك سوى ضحكة حزينة وساخرة، تشبه ضحكة نجيب الريحانى فى نهاية فيلم غزل البنات.

مات هذا الشاعر الفذ، بعد أن ترك لنا إرثا
راقيا ومؤلما فى نفس الوقت من أعماله الأدبية، مات فى قمة نضجه بعد أن إتهمته
السلطات بالجنون، وأودعوه مصحة للأمراض العقلية، ليكتب فيها آخر قصائده، التى كانت
بمثابة صرخة أخيرة فى وجه الظلم، رغم كل تلك الكلمات الفاحشة التى وردت بها، لكن
المتأمل فى حياة الشاعر الراحل، سيدرك أن الظلم الذى تعرض له أفحش من كل الكلمات
التى حوتها قصيدته المسماة “أميات” تأدبا مع حذف مقطعها الأول.

مات الشاعر وبقيت كلماته وصرخاته تدوى فى
الآفاق حتى الآن، ليسمعها كل الأجيال القادمة بعده.

البحر بيضحك ليه؟!

البحر غضبان ما بيضحكش

أصل الحكاية ما تضحكش ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: