الأحد , مايو 16 2021

موعد حياة.. مع الأفلام القصيرة في “مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية”

كتب :خالد عاشور

مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية واحد من اهم المهرجانات الدولية للسينما، تأتي أهميته لكونة يهتم بالسينما الأفريقية، السينما التي لها خصوصيتها وبصمتها من حيث إهتمامها بهموم القارة الأفريقية وقضاياها أولا، وثانياً وهو الأهم تنوعها ومحاولتها في الإختلاف عن السينما الأوربية والأسيوية، هذا المهرجان الذي كان بمثابة “موعد حياة” من كل عام للسينما الأفريقية التي وجدت فيه حضورها وأعلنت عن ذاتها وقوتها من خلاله ليصبح ذلك المهرجان في كل عام هو طاقة النور التي تطل منه.

واذا ذكر مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية لا بد ان يذكر اسم مديرة المهرجان المخرجة “عزة الحسينى” ورئيسة الكاتب والسيناريست “سيد فؤاد” أصحاب الفكرة ومؤسسي المهرجان منذ عام 2012 في دورته الأولى والذي يكتسب كل عام قوة وحضور عالمي يحسب لهما كفكرة لم يأت بها احد من قبل، فهما يحملان على كاهليهما بكل دأب واخلاص وجهد نجاح اهم المهرجانات الأفريقية للسينما والتي تحمل كل عام تقديراً لفنان بعينه ودولة بعينها لتعرفها افريقيا كلها من خلال السينما الخاصة بها، ورغم ما تمر به افريقيا والعالم بأثره من جائحة كورونا إلا ان هذا لم يوقف اقامة مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية هذا العام في دورته العاشرة التي نجحت مديرته المخرجة “عزة الحسيني” والسيناريست “سيد فؤاد” ومعهما الرئيس الشرفي للمهرجان الفنان القدير “محمود حميدة” في تحدي ما لا يستطيعه غيرهم لينتهي المهرجان بنجاح باهر ويعيد للسينما الأفريقية قوتها وخصوصيتها وليتحول كل عام الى “موعد حياة” تحتاجه السينما الأفريقية ويلتقي فيه صناعها في تنافس جميل المستفيد منه بكل تأكيد عشاق السينما في افريقيا والعالم بأثره.

عشر سنوات من الخيال.

هذا ليس مجرد شعاراً اتخذه مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في دورته العاشرة، انه الخيال الذي يأخذك الى حيث تكون الجنة، الجنة المتمثلة في السينما الأفريقية التي تنافس فيها 58 فيلمًا، ناقشت الكثير من القضايا الافريقية في مسابقات متعددة ما بين الروائي الطويل والقصير والتسجيلي وأفلام الياسبورا, سأركز هنا على الأفلام القصيرة التي شاركت بالمهرجان.

المفاجاة الأكثر متعة كانت في الأفلام القصيرة التي تنافس فيها 14 فيلم منهم اربعة افلام مصرية، شهدت الأفلام القصيرة تنافساً شرسا بينها من حيث تنوعها ما بين ما هو انساني واجتماعي وما يناقش مشاكل عصرية آنية.

فيما هو انساني كان اجملها فيلم “هذه رقصتي فأسمعوا” اخراج علياء سر الختم من السودان، حيث عالم الصم والبكم.. الفيلم لم يكن به كلمة واحدة منطوقة.. لم يتحدث احد.. فقط هو غوص في حياة طفل بمدرسة الصم والبكم والذي قام بدوره الطفل “الطيب الهادي الطيب”.. الفيلم في حد ذاته كان مفاجأة من حيث التناول والقصة والإخراج والتجريب والموسيقى الذي نجحت فيه المخرجة السودانية مع صناع العمل في عرض فكرتها باقتدار جعل الفيلم يفوز بشهادة تقدير المهرجان، وحصل علي جائزة لجنة التحكيم فيلم “مداد أخير” للمخرج يزيد القديري من المغرب، هذا الفيلم يأخذ طابعاً صوفيا جميلا من حيث الفكرة والتصوير والموسيقى والكادرات والكتابة الموجزة للسيناريو دون اسهاب، تدور الأحداث حول صاحب حانوت للنقش على شواهد القبور وهو الخطاط ابراهيم (77عام) والذي أحترف مهنة الكتابة على شواهد القبور لسنوات طويلة في حانوته الموجود في حارات مدينة فاس الضيقة والعتيقة التي يعيش فيها، يأتي أحد الزبائن الأغراب عن المدينة ويسلم الفتى الذي يعمل في الحانوت عند ابراهيم ورقة كتب عليها معلومات عن رجل متوف يحدد تاريخ ميلاده ولم يحدد تاريخ وفاته.. تلك المعلومات مطابقة تماماً لما هو موجود في البطاقة الشخصية لأبراهيم صاحب الحانوت نفسه، فيبدأ ابراهيم الرجل العجوز بالأهتمام بنقش شاهد القبر الذي هو – وللمفاجأة – شاهد قبره.

هذا لا يقلل من باقي الأفلام التي تم عرضها وعلى رأسها تحفة المهرجان واروعها فيلم “موعد حياة” للمخرج المتميز “عمرو البهيدي” وبطولة الفنان القدير “أحمد بدير” والمبدعة “لبنى ونس” والوجه الشاب “ايمي الجندي” الفيلم يكشف عنه عنوانه البديع “موعد حياة” حيث يحكي عن رجل سبعيني وحيد يجتر ماضيه منعزلا ًعن العالم لا يسأل عنه أحد.. فجاة ينقلب حاله الى حال آخر حين يدخل عالم الإنترنت وصفحات التعارف.. هذا التعارف الذي سيقوده من خلال الأحداث السريعة واللقطات الخاطفة والكادرات الذكية للمخرج “عمر البهيدي” الى مفاجاة ستضحكك وتبكيك في ذات الوقت، جعلت من هذا الفيلم حاصداً للجوائز في مهرجانات اخرى شارك فيها ولا زال امامه الكثير من الجوائز التي تنتظره.

ثم يأتي فيلم “600 كيلو” من مصر للمخرج الواعد محمد صلاح وبطولة النجم “طارق عبد العزيز” ويوسف عثمان”.. الفيلم يأخذ اتجاها آخر في السرد.. حيث اكتشاف الذات للبطل “يوسف عثمان” من خلال رحلة يقوم بها من القاهرة الى سفاجا بالدراجة.. خلال هذه الرحلة يكتشف الناس.. والأهم انه يكتشف ذاته التي تقوقع فيها.. وخلال رحلته يلتقي بسائق شاحنة  “طارق عبد العزيز”، ياخذنا المخرج في رحلة سريعة وكادرات مختلفة من حيث الأهتمام بمعاناة بطلي الفيلم والذي لكل منهما حكايته التي سيكشفها الفيلم لينتهي أيضاً بمفاجاة ليخبرك ان الحياة ذاتها ما هي الا رحلة من بدايتها حتى النهاية.

اما الفيلم الأكثر معاصرة في قصته كان الفيلم المصري البديع “شفت مسائي” للمخرج كریم شعبان والذي تناول فيه يوماً في حياة الشاب “زين” (الممثل عصام عمر)، يعمل “زين” موظفاً لخدمة العملاء في شركة “تقديم خدمات الأنترنت”، هذا الشاب الذي يمثل جيلا كاملا مسحوقا من جيل سبقه.. ومسحوقاً في اثبات ذاته من خريجي كليات التجارة والحاسب وغيرها من الكليات التي تخرج كل عام اعدادا لا يتحملها سوق العمل ولا تعبأ بها الدولة، هذا الشاب من اللقطة الأولى ركز المخرج “كريم شعبان على تتبع حياته في لقطات سريعة حتى بداية “شفته المسائي” والذي ما ان يبدأ حتى ينغص عليه عميل لديه مشكلة في انقطاع خدمة الأنترنت عنه.. من هنا يبدأ الصراع.. بين جيل مهزوم يبحث عن ذاته “متمثلاً في الشاب” وجيل يدعي المثالية ويصب غضبه وفشله على جيل لا ذنب له الا كونه حائط صد لفشل حكومات متعاقبة مثمثلاً في العميل المتصل الفنان القدير “أحمد كمال”.. الحوار شيق الى الدرجة التي ستجعلك مشدوداً الى النهاية والذي يشبه كرة تنس يضربها لاعبان بين شبكة في ملعب وكل منهما يتمنى الفوز على الآخر، مباراة كرة تنس في الأداء بين الفنان القدير “احمد كمال” والممثل الشاب “عصام عمر”.. المفاجأة التى ينتهي بها الفيلم ستجبرك على الأنحناء لجمال القصة وفكرة الفيلم الذي يتماس مع مشكلة يومية نعاني منها جميعا ونأمل أن لا نكون احد طرفي السيناريو الذي جاء متقناً بموسيقى تصويرية رائعة وتمثيل مبهر للفنان القدير أحمد كمال والشاب”عصام عمر”.. ليتركنا امام تساؤل.. من الفريسة.. ومن الصياد.. لنكتشف اننا جميعا فريسة لما هو اكبر واقبح واشد افتراسا لكلا البطلين.

ثم يأتي الفيلم الأثيوبي “معتقدات حمقاء” اخراج هيوت ادماسو جيطانيه، حيث هنا البطل هو الخرافة وتابوه من التابوهات المحرمة على الانسان وهو تابوه التدين الزائف.. الفيلم يرصد في سيناريو خاطق قصة التبرك بالأضرحة والأولياء في كل عقيدة.. البطلة طفلة شجاعة اقتحمت عالم الخرافة لقرية كاملة تتبرك بوهم ضريح ميت تقدم له العطايا والنذور والهبات.. فما كان من الفيلم الا وان ينتهي بان كشف السر بخدعة ان الوهم في العقول التي تتعلق بالموتي وتجعل منهم آلهه ليخبرك في النهاية انه قبل ان تصنع اله لنفسك.. يجب ان تتحمل ذل عبوديته.

وفي ذات السيقا التصوفي يأتي الفيلم المصري “كحل باهت” للمخرجة المصرية ” شيماء طلبة” ليتناول يوما آخر في عالم الأولياء ومولد السيدة زينب، الفيلم خاطف من حيث الاحداث رغم انه يدور في يوم كامل حيث المجتمع المهمش والمتعلق بالاولياء والتصوف كملاذ اخير آمن عن غيره.. الانثى محور الفيلم.. كاميرا شيماء طلبة ترصدها بامتياز وتركز على ابطالها الاناث بشدة.. الابن الصغير للزوجة التي غاب عنها زوجها والذى يمارس الوصاية على امه بالقاء البراية حين طلبتها لتبري قلم “الكحل”.. ام الزوج الغائب الحاجة (صالحة) تميز الحفيد وتسقيه وتعلمه طبخة التنمر والتميز ضد المرأة كما تعلمه صنع الرز بلبن.. كحل باهت عنوان مخاتل يقول الكثير دون إفصاح حيث الكحل يجب ان يظل باهت في عيون المراة فلا يحق لها ان تبدى زينتها الا في غرف مغلقة.. مشهد تغسيل وتكفين الحاجة صالحة صورته شيماء طلبة بواقعية لم يسبقها احد اليها، وكانها اسقاط لتكفين رمزية الانثى بكل ما تحمل من كلمة من الولادة حتى الوفاة.. المرأة التي يمارس عليها الوصاية في كل الأوساط والفئات من المجتمع المهووس بالذكورية.. تزيد الوصاية عليها في المناطق الشعبية والمنسية، المرأة في كفن معنوي حتى وهى تمارس  الحياة.

أما البهجة والصدمة التي تصل الى حد الكوميديا السوداء والسيناريو الذي يشبه الطلقة التي خرجت من مسدس مخرج محترف كانت في الفيلم التونسي البديع “الماندة” للمخرج الشديد الرهافة والتركيز في عمله المخرج التونسي المتميز “هيفل بن يوسف”حيث الانثى المقهورة والمظلومة دائما.. الزوجة (دليلة/سمر الماطوسي) التى هرب زوجها بهجرة غير شرعية الى ايطاليا واتصل بها ليخبرها بانه سيرسل لها (ماندة/ او حوالة بريدية باللهجة المصرية).. تاخذها احلام الثراء فتقوم باقراض جاراتها المتمسحات في انتظار “الحوالة” هي ذاتها تشتري كل ما تتمناه.. ليس هذا فقط.. تتغير حياتها رأسا على عقب حيث تقوم بعمل “Look” مواكباً لأنتظار الحوالة التي تنتظرها وتحلم بها هي والجيران.. عبر عنها المخرج بكادرات شديدة التركيز مع خصوصية فى الغناء والفلكلور التونسي ومشاهد للبطلة في البنك والشارع بعد ان غيرت ملابسها التقليدية بفستان ازرق “ديكولتيه” ساحر يكشف عن نهديها النافران في انوثة طاغية وشباب.. هذان النهدان جعلا موظف البنك يتلصص اليهما ونتلصص نحن المشاهدين معه.. البعض يراههما مثيران، والكثير يحلم بهما لشبابها وفتنتها.. والقلة تراه اسقاطاً ذكيا من المخرج ” هيفل بن يوسف”، لان المراة في نظر الرجل الشرقي ما هى الا بضاعة للعرض على السرير.. اسقاط شديد القوة لقضية المرأة العربية كأكبر المهشين والمظلومين،فالمجتمعات المقموعة تمارس ذات القمع على انفسها، واضعف من بالمجتمع هى المرأة التى يمارس معها الجميع القمع والكبت، حقها الوحيد في التعبير في غرفة النوم وعلى السرير وللرجل فقط، عدا ذلك فهى مجرد كائن مسلوب الإرادة نمارس عليه كل انواع الوصاية .. فيلم (الماندة) فيلم ذكى ومخرج ياتى من ثقافة مختلفة عن باقي الدول العربية حيث تونس الاكثر ثقافة وحرية من بقية الدول العربية التى لا لذة عندها الا ممارسة القمع ضد الانثى والوصاية عليها بارسال “ماندة/حوالة” معنوية وهى وصاية الذكر(الأب.. الأخ.. الزوج.. الأبن.. اى رجل من حقه ان يمارس القمع عليها وارسال حوالة معنوية ليهرب من مسئوليته).. اما (الماندة) الاشد واقعية ان الزوج لم يكن يرسل لها حوالته التى تنتظرها البطلة (دليلة).. انه يرسل لها حوالة لتتصرف بها بعد ان قرر ان يطلقها ليتزوج من عجوز ايطالية ثرية.. الخاتمة للفيلم جاءت كالرصاصة للمشاهد وللزوجة الحالمة ب(الماندة/الحوالة).. ولا زالت كثيرات من النساء تنتظرن(ماندتها/حوالتها).. مرة على هيئة نفقة متعة كسلعة يتهرب منها الرجل ويتفنن في بخسها والهروب من الالتزام بها حتى لو اخذت مسلك القضاء.. ومرة كنفقة اطفال او معاش والدها او زوجها المتوفي كارملة.. (الماندة) فيلم يتناص مع مشاكل المراة المادية والمعنوية دون ان يطيل الشرح،  فلكل امراة “الماندة” التى تنتظرها.. وهو انتظار ما لا يجئ غالب.!

مهرجان الأقصر للسينما الأفريقة واحد من امتع المهرجانات التي شهدتها واكثرها حميمية وتنظيماً وخصوصية في تنوع افلامه.. كلي امل ان يتطور هذا المهرجان وان يزيد الدعم الموجهه له من ناحية الدولة والتي اشكر من خلال مشاركتي فيه معالي رئيس مجلس الوزراء “د. مصطفى مدبولي” ووزيرة الثقافة المختلفة والقديرة “د. ايناس عبد الدايم” على ما قدمته مع محافظ الأقصر ووزارة الثقافة والأثار ومصر للطيران وكل من ساند هذا المهرجان لكي يخرج بهذا الجمال والمتعة.. وأملي ان يقدم العام التالي زيارات لقرى الأقصر واطفالها وعرض الأفلام في صالات مفتوحة حتى يتثنى ايصال رسالة المهرجان للاجيال القادمة – وهي الأهم – فالسينما هي القوة الناعمة والفن الذي لا يمحى من الذاكرة.. فالفن هو عنوان الحضارة لأي دولة تسعى للرقي والتقدم بين الدول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: