الأحد , مايو 16 2021

ستاشر .. أخشى أن أنسى وجهك

كتب :خالد عاشور
الإكتئاب هو المرحلة النهائية التي تقود الى الانتحار.. وأكرر… الاكتئاب في تعريفي الشخصي بعيداً عن تنظير اطباء النفس وعلمائِه.. هو أن تترك نفسك لنفسك.. أن تنزوي حول نفسك لا ترى غيرها.. ولأن الأشياء القريبة غالباً ما لا نراها.. كذلك الاكتئاب.. هو أن تدخل الى اغوار نفسك وعقلك.. وتبدأ في تكسيرها… هذا التكسير لا بد ان يقودك الى الإنتحار.. المصيبة ان يظهر هذا الفعل بين المراهقين ممن فقدوا التواصل بينهم وبين الأسرة اولا.. والمجتمع ثانياً.
السينما ليست للوعظ… السينما عين ترصد حياة المجتمعات.
رغم انني كاستاذ جامعي من اشد الرافضين لفكرة ارتداء النقاب في الجامعات لما نواجهه من انتشار الغش بين المنقبات انفسهن وما يختبئن تحته واكتشاف حالات لبنات يدخلن بدلا عن زميلاتهن امتحانات بعينها.. للدرجة التي من الممكن ان يتنكر زوج في زي نقاب ليدخل بدلا عن زوجته أو أخ بدلا عن اخته كما رصدنا ذات مرة.
فيلم #ستاشر .. أخشى أن أنسى وجهك.. واحد من اجمل الأفلام القصيرة التي رأيتها الفترة الأخيرة والحاصل على جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان كان السينمائي الدولي والسعفة الذهبية كأول فيلم مصري ينال الجائزة.
الفيلم انساني بدرجة عظيمة جعلتني اتعاطف مع بطل الفيلم.. ذلك الشاب الذي يبلغ من العمر 16 عام انقطعت به سبل التواصل بينه وبين حبيبته التي في نفس عمره.. ويعيشان في مجتمع يدعي التدين وهو بعيد كل البعد عنه .. بل على العكس تدين ظاهري مقيت ما ان يخضع للتجربة حتى يتبدا انه تدين شكلي ظاهري مفتعل.
يبدا الفيلم بمكالمة مسجلة على الواتساب من الفتاة المراهقة والحبيبة للذات المراهق تخبره فيها انها تفتقده وانها محبوسة لمدة شهرين وكل ما تطلبه ان تراه بعد ان سرقت موبايل والدتها لترسل له تلك الرسالة.. يكتئب المراهق.. بينما تقرر حبيبته الأنتحار، فيقرر توديع جثتها بعد التخفي في زي أمراة منقبة سرقه هو الأخر من والدته المنتقبة كذلك ليتمكن من إلقاء نظرة الوداع الأخير على جثتها.
تتضح رؤية الفيلم والمخرج بعمق شديد، حيث الفتي يعاني من عزلة وينتابه شعور بالغربة والأكتئاب صورها المخرج سامح علاء بكادرات شديدة الرهافة والتعبير عن حالة الفتى المراهق.. شعور تؤكده وتعززه الصورة السينمائية والكادرات الخاطفة مع الإضاءة الباهتة بهتان ارواح ابطال الفيلم المراهقين، حيث نسمع صوت أمه فقط دون أن نراها من خلف النقاب وكأن بينهما نقاب وعزلة اسرية تشبه هذا الزي الغريب والذي يسمى نقاب، لم ينطق البطل جملة واحدة باستثناء تلك الجملة التي قالها حين اقتحمت أمه خصوصيته، ودخولها الحمام عليه، بينما كان يستمع الى مكالمته المسجلة على الواتساب من حبيبته التي بدأ بها الفيلم.
خمسة عشر دقيقة او اقل هي مدة الفيلم الذي نجح فيه المخرج ان يجعل من مباني المدينة ذاتها والبيوت والشوارع والناس ابطالا دون ان يتكلم أحد.. البيوت حزينة بها شروخ وتأكل كما في روح البطل المراهق وحبيبته المنتحرة.. الناس في المواصلات في حزن ضمني بينما المراهق في عزلة ذاته اولا.. وعزلة النقاب ثانيا.. يذهب المراهق ليرى حبيبته المنتحرة في بيت لا يختلف عن بيته وعالم لا يختلف عن عالمه حيث ذات الحزن وذات الغربة والعزلة والنكسار الذي يعانيه جيل يحاول ان يعيش.. ولكنه بكل اسف يواجه ما هو اشد ألما من ان يلتفت اليه المجتمع او الدولة ذاتها وهو لا يزال في بداية حياته.. فيلم ستاشر فيلم غاية في الرقة والألم والروعة.. احاسيسي متضاربة من التعاطف والحب والحيرة والانكسار والامل والثورة تنتابك حين ترى هذا الفيلم الذي استحق بكل تقدير كل الجوائز التي فاز بها.
انه فيلم عن الحياة التي تقسوا علينا بلا رحمه.. فنفشل في التواصل وندخل نفق انفسنا المعتم.. بلا اي ضوء من الذات.. أو من الغير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: