الأحد , مايو 16 2021

توك_توك … فيلم يحمل هموم الوطن وينطلق للعالمية.

كتب :خالد عاشور

بدات فكرة التوك توك قديماً منذ العجلات التي يجرها انسان في الحضارة المصرية القديمة ثم (الريكاشة) اليابانية.. ربما كمحاكاة الانسان لربه.. ولما كانت الاديان تخبرنا بان الرب يجلس على عرش تحمله ملائكة.. فما كان من الانسان الذي يظن نفسه (لاهوتى) التخيل لا (ناسوتى) الحقيقة الا وصنع لنفسه عرشه الخاص الذي يحمله بني جنسه.. تطورت (الريكاشة) حتى صارت مع الزمن ما يعرف الآن بالـ(توك..توك).. وسيلة المواصلات هذه هي التي اتخذ منها المخرج المبدع “محمد خضر” عنواناً لفيلمه الأول والذي نقل الفيلم الى العالمية مشاركا في أكثر من مهرجان.

شاهدت يوما الجمعة الماضي العرض الخاص للفيلم القصير “توكتوك” .. تدور أحداث الفيلم في 26 دقيقة.. لخص فيها المخرج “محمد خضر” ومعه السيناريست “شريف عبد الهادي” هموم مصر والوطن العربي بأكمله في أحداث ولقطات خاطفة لدرجة السحر السينمائي الذي يخبرنا انننا أمام مخرج يمتلك أدوات فنه منشغلا عن غيره بقضايا هادفة ناقشها باقتدار وقوة.. الفيلم لا تستطيع وانت تشاهده ان “تغمنض عينيك” فقط سيسحبك المخرج ومن اللحظة الأولى لكي يضعك في قلب الأحداث لتكون انت البطل مع أبطال الفيلم.. ست وعشرون دقيقة لخصت كل هموم ومشاكل مصر دون اسهاب او مط أو كادر بلا معنى.. ست وعشرون دقيقة استطاعت فيه كاميرا المخرج “محمد خضر” ان تتحول الى “ميكروسكوب” سينمائي ترصد فيه كل مشاكلنا حيث قضايا أهمها “الجهل.. الفقر.. المرض.. العشوائيات.. البلطجة.. التعليم.. الهجرة الغير شرعية.. التحرش.. الكساد الإقتصادي.. انتشار الطلاق بين حديثى الزواج.. التفكك الأسري.. الأنحلال الأخلاقي.. التنمر.. المجتمع الذكوري بكل ما فيه من مسالب.. والأهم والمرعب..قضية الغارمات”.

كل هذه القضايا صورها فيلم توكتوك دون ان يقع في فخ المط والأطالة والترهل المعهود في السينما المصرية والعربية كدرس في كيفية أن تصنع فيلماً قصيرا يناقش قضايا الوطن دون أن تخل بقواعد الفيلم القصير..  وأن ازالة اي كادر يعتبر خللا سيشعر به المشاهد.. حيث ان كل كادر يعبر “قالب” في حائط صناعة الفيلم جعلت منه فيلما متكاملا يجب ان يدرسه طلاب السينما في معاهدها وكلياتها وتنتبه له الدولة بكل اجهزتها لأهمية القضايا التي يناقشها.. والأهم أن فيلم “توكتوك” لا ينتمي إلى الأفلام التجارية المترهلة التي تخاطب الغرائز ومتطلبات السوق والمنتجين الكبار وصراعاتهم من اجل الربح، ولا ينتمي إلى إنتاج الدولة عبر أجهزتها المختلفة، ولكنه إنتاج ذاتي أفرز منتجًا لا ينتمي إلى السوق التجاري، فيلم “توكتوك” انتجه مخلثون لصناعة السينما ندهتهم “نداهة” صناعه السينما فدخلوا من بابها المستقل، ليقدموا للسينما المصرية واحد من ابدع واروع افلام السينما القصيرة التي لا يدخلها منتج او ممثل الا وكان غرضه الرئيسي هو تقديم ما هو فني دون انتظار مقابل مادي غير حبهم لنداهة السينما وجنتها.

 “توكتوك.. سيمفونية بصرية سينمائية”.

هذا الفيلم اعتبره دون مبالغة سيمفونية بصرية وسيكلوجية للمجتمع المصري الحقيقي.. مجتمع القاع.. مصر الواقع لا الخيال.. اخلص فيها منتجيها ” رامي يعقوب.. وشيرين علاء.. ومحمد خضر” ليضعنا امام احراج سينمائي كبير  ويخبرنا بأن مشكلة السينما لا تكمن في الإنتاج.. فقد تحمل المنتجين عبء التكلفة بإخلاص، فخرج الفيلم كتحفة فنية تضع المتمسحين والمتكئين على وهم الإنتاج والدعم المؤسسي للدولة في فزع حقيقي.. فالإنتاج رغم “شحه” في الفيلم الا انه لم يؤثر على امتيازه وعظمته وجودته.. وهذا يدحض مزاعم المتكئين على الإنتاج والبهرجة ومصوري المنتجعات والكمبوندات وعوالم التجمع الخامس والشيخ زايد وعالم لا ينتمي الى مصر الحقيقية باي صورة من الصور.!

من اللقطة الأولى يؤكد لنا المخرج “محمد خضر” أننا امام عمل كبير.. من اللقطة الأولى نشاهد مبارة ومبارزة في التمثيل والأداء البديع بين الثنائي المرعب الفنان “محمد خميس” والفنان “أشرف المهدي”.. الكادر يجمعهما في “قهوة” شعبية من مقاهي القاهرة القديمة.. مقهى فقير واناس فقراء في اشد حارات مصر الفقيرة لينقل لنا واقع مصر كلها لا واقع البطلين.. الفنان “محمد خميس” قدم دورا مرعبا اداه باقتدار وعظمة تحيلنا الى الأستاذ العظيم “نور الشريف” في فيلم “العار” حيث يلعب “محمد خميس” دور سمسار تهريب مهاجرين غير شرعيين.. ومعه على الطرف الآخر في الكادر النجم “أشرف مهدي” واحد من “غيلان” التمثيل ومهوسيه.. يقفان كلاهما في حلبه مصارعة تمثيلية.. والحوار بينهما يدور حول الإتفاق على تهريب مجموعة من حالمي الثراء السهل عبر الهجرة الى اوروبا وعجزرة الفرص الهاربين من جحيم الفقر والجهل والمرض والكساد الأقتصادي وعدم استغلال الدولة للايدي العاملة المصرية وعدم ادراكها وتوظيفها للعمالة كما تفعل الدول العظمى التي يزيد سكانها عن سكان مصر.

الفنان “محمد خميس” يمسك “شيشة” بينما الفنان “أشرف المهدي” يجلس قبالته.. وبحركة لا ارادية يقوم “محمد خميس” بحك “مبسم الشيشة في خده” وكأنه ولد على مقهى في حي شعبي أو من مواليد منطقة الحطابة او روض الفرج او شبرا.. والغريب ان ما اعرفه عن الفنان “محمد خميس” أنه لا يدخن من اساسة.. هذا – وكما اسلفت – يحلينا الى حركة العظيم “نور الشريف” في فيلم “العار” حيث هنا الفنان يجتهد من ذاته لأنه مؤمن بقضية الفيلم والدور الذي يقوم به دون انتظار أجر أو تكريم.. وان مشاركته في العمل لحبه للفن وبحثه عن اثبات قدرته على الإختلاف.. وهذا لن تجده الا في الأفلام القصيرة التي تظل ملاذ الفنان الحقيقي ليؤكد عظمته كما فعل الفنان “محمد خميس” و”أشرف المهدي”.

 

من “إحنا بتوع الأتوبيس”.. الى “توكتوك”.. اسقاط غير مباشر أشد ذكاءا من الماضي.

                                         

المخرج ” محمد خضر” يأخذك في كادرات ولقطات قوية لا تتعدى “50 لقطة” بها كثير من المكر السينمائي والمهنية التي تضعنا امام مخرج مهم في عمله الأول.. حيث اسلوب التصوير والسرد والمشاعر التي تنتمي تارة الى الواقعية النقدية والي الكوميديا السوداء أحيانا اخرى وباسلوب تقليلي ” minimal” يجعلنا نتوهم اننا لا نشاهد الا ما يريدنا المخرج ان نشاهده..

ولكنه فخ اجاد المخرج “محمد خضر في نصبه للمشاهدين.. بينما في الحقيقة هو يترك لك مساحات من الحرية و”الرُؤًى” والتفاعل مع  ابطال الفيلم.

أما عن التمثيل فنحن امام مجموعة من مهوسيي الفن ومحبيه دون الوقوع ايضا في غرور النجومية التي اذا اصابت نجم جعلت منه بقايا فنان.. فجميع المشاركين في العمل نجوم لا استثني منهم احد.. خذ مثلا لبطلة الفيلم “الهام وجدي” وهذا هو العمل الأول والمرة الأولى لها امام الكاميرا.. لكننا امام فنانة حقيقية قدمت دورا رائعا كأمراة مصرية تعيش في مجتمع ذكوري أو كما قال أحد سائقي التكتوك للبطلة التي اضطرتها الظروف والمجتمع الى شراء توكتوك وتوقيع 35 كمبيالة على نفسها بعد هرب زوجها في هجرة غير شرعية عبر البحر المتوسط الى اوروبا.. ذلك المجتمع المقموع في اساسة والمغيب حتى النخاع.. ليمارس ذكوره امراضهم النفسية على المراة كنا في جملة سائق التوكتوك للبطلة ” ألهام وجدي/ ولاء):

– الرجالة عايزة رجالة.

الهام وجدي لم تكن وحدها التي تميزت باداءها المبهر.. فالأشد غرابة حين دعيت للعرض الخاص انني قابلت فريق العمل.. كانت من ضمنهم ممثلة من ملابسها تبدو ارستقراطية “انيقة” في نهاية العقد الثالث من عمرها.. تتعامل بطبيعتها كأمرأة مصرية من الطبقة الأرستقراطية المتوسطة.. غير انني حين شاهدت دورها كأم “ولاء” شعرت بنوع من الأنبهار من عظمة دورها وادائها وهي الفنانة “ماري جرجس” والتي رأيت فيها “غولا” جديدا من غيلان التمثيل ومهوسيه ومعجوني الفن ومحبيه.. دورها كان فارقا في الأحداص وتعبيرات وجهها ولغة الجسد عندها غاية في الأتقان لا يخطئه مشاهد يجب ان يلتفت اليه مخرجي مصر.. فهي قماشة فنانة كبيرة قادرة على ارتداء اي دور وخلع شخصيتها الحقيقية من داخلها لتتعايش مع شخصية الدور متجاهلة الحائط الرابع ورعب التجربة التي تخبرنا ان المخرج “محمد خضر” لم يختر اي بطل من ابطال الفيلم الا بعناية فائقة فلم يخذله أحد منهم.. ايضا الى جانب النجوم محمد خميس واشرف المهدي  والهام وجدي وماري جرجس والذكية ندى أكرم يأتي الشاب المفاجاة “عمر راشد” سائق التوكتوك” المتحرش بولاء والمستغل لحاجتها والمعبر عن البلطجة النفسية والفعلية والذكورية المجتمعية بملابسه التي تؤكد اننا أمام مصمم ملابس عبر عن واقع الحارة المصرية بامتياز وابهرنا في ملابس الفنان الشاب “عمر راشد” حيث ان سائقي التكاتك وموتيسكلات “الدليفري” يسمون انفسهم بالطيارين.. فكانت ملابسه تعبيرا عن امنياته واسقاطا لحالته النفسية كأحد جماليات فيلم توكتوك وهي عظمة مصممي الملابس في معايشة لواقع حقيقي لا متخيل.. ثم نأتي الى المونتاج الذي يعتبر هو الآخر أحد أهم أدوات الفيلم تميزا والتي – وللغرابة – قام بها المخرج ذاته.. لم يلجأ الى مونتير محترف اقتصاداً في التكاليف.. فخرج المونتاج غاية في الروعة لن تشعر معه انك فقدت مشهدا وانك مقاد بسحر الى متابعة احداث الفيلم.. يضاف الى ذلك موسيقى مصرية وشرقية خالصة معبرة عن الفيلم واحداثه وشخوصه من اللحظة الأولى الى النهاية ومكساج يحيلنا الى عظماء الأخراج في مصر كعاطف الطيب ومحمد خان وداود عبد السيد، حيث كل مشهد وضعت فيه موسيقى واصوات واغاني اختيرت بعناية لتعبر عن حالة الفيلم كما حدث في خلفية الحوار بين النجمين “محمد خميس” و”اشرف المهدي” وهو يخبر سمسار التهريب “محمد خميس/ المعلم راضى” بانه سيذهب مع المهاجرين بذاته هاربا من فقره ومسئوليته اتجاه اسرته وزوجته ولاء حالما بامراة ايطالية ثرية وفي الخلفية بائع خضار ينادي “مجنونة يا قوطة”  كاسقاط لجنون البطل والسمسار والجميع.. فقط دون ان يسهب في السرد او يكون مباشرا في الأسقاط بذكاء يحسب للمخرج “محمد خضر”.

واذا جاء دور الإضاءة في الفيلم فنحن امام مهندس اضاءة وضف كل كادر باضاءة مناسبة.. فالأضاءة غالبا باهتة بها خفوت متعمد كخفوت ارواح الفيلم.. يائسة احيانا ومهتزة كاهتزاز شخصيات الفيلم..  طبيعية دون افتعال في المشاهد نهار لتبعث التفائل في نفوس المشاهد مع ابطاله المتفائلين للحظات.. ثم تعود الى خفوتها وكانها تتحدث وتقول ما لا يقوله أو يفصح عنه الحوار والسرد.. اضاءة مظلمة متحرشة كتحرش سيد سائق التوكتوك.. راقصة مبتهجة كولاء في رقصته الأخيرة كفراشة تقع في النار مع حرق توكتوكها من سيد البلطجي كمحاكاة ذكية لفن الأضاءة وتوظيفة.. قلة من المخرجين في مصر يهتمون بالأضاءة التي هي أهم لغات السينما.. الأكثر تعبيرا عن الفيلم واحداثة هو الديكور.. حيث البيوت فقيرة بها شروخ وقدم وتأكل كتأكل نفوس الأبطال.. الحواري الضيقة والبيوت الأكثر ضيقا من ارزاق ابطال الفيلم عبر عنها الديكور باقتدار مع تأكيد على التدين الزائف للمجتمع المصري بجميع فئاته وطبقاته التي تتح من خلال لوحات دينية وسبح معلقة على الحوائط وايات قرآنية في المقاهي والبيوت والتكاتك كاسقاط آخر غير مباشر دون ان يقع المخرج ومهندس الديكور والأضاءة في فخ المباشرة.

فيلم توكتوك واحد من اهم الأفلام القصيرة التي رأيتها هذا العام.. فاذا كان المخرج العظيم حسين كمال لخص مصر بكل معاناتها في اتوبيس كاسقاط لبلد بأكمله وسياسته في تحفته الفنية فيلم “إحنا بتوع الأتوبيس” فقد استطاع المخرج النابه والواعد “محمد خضر” أن يعبر عن مصر ذاتها الآن في “توكتوك”.. مصر التي تقلصت من اسقاط “اتوبيس” الى “توكتوك” يحمل مشاكل وهموم بلد كبير بحجم مصر.. ويحيلنا الى اسقاط اخر اشد ألما وهي شخصية”ولاء”.. وكانها مصر العظيمة التي اصيبت بالجهل والمرض والتحرش والفقر والتهميش والكساد الأقتصادي والتنمر بها كبطلة الفيلم “ولاء” التي كان لأسمها حظا وفيرا من التعبير عن كونها وفية لزوجها ولأسرتها واخيها العاجز وامها المريضة تحمل ولاء لا تخطئه عين المشاهد.. ثم اسقاط الأسماء ذاتها حيث الزوج “الفنان أشرف المهدي/ محروس) الذي لم يكن حارسا او محروس.. ليغرف في الهروب من مسئولياته كرجل اولا قبل ان يغرق في البحر المتوسط ثانياً.. أو كالفنان “محمد خميس/ المعلم راضي) الذي لم يكن راضيا بالمرة جشعا في استغلال عوز الناس متاجرا بأحلامهم ومشاركا في قتلهم.

فيلم “توكتوك” لا يقتصر على كونه فيلماً قصيرا لخصته كاميرا المخرج “محمد خضر” في “50 كادر ولقطة ” شديدة الرهافة والتصوير والإضاءة والديكور والموسيقى والإخراج والتمثيل والسيناريو المحكم والمونتاج المحترف.. انه درس مهم من دروس السينما في تقديم قضايا الوطن دون مجاملة او اسهاب أو خوف أو وقوع في المباشرة.. هذا الفيلم يتحدث عن مصر في شخصية ولاء.. وعن المجتمع في شخوص ابطاله.. كاشفاً الغطاء بذكاء لا مباشرة فيه عن كل قضايا مصر التي اصابتها.. الفيلم يلقي كثيراً من التساؤلات ويوجز ما اسهب فيه حسين كمال في فيلمه “احنا بتوع الأتوبيس” ليضعنا امام تساؤلات اعمق تحتاج الى اجابة ونحن نرى مصر “ولاء” دون “شئ من الخوف” في هيئة “توكتوك”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: