الخميس , مايو 13 2021

” رمضان الذى كان ” بقلم / د. مجدى جلال المغربى

بقلم / د. مجدى جلال المغربى

فى طفولتى كان بالقرية مئذنتين ، مئذنة الجامع الكبير والأخرى بالجامع الصغير أو جامع الخمار باسم الشيخ المدفون فيه ، كان الصعود على سطح المنزل يكشف كل بيوت القرية وأسطحها، وكانت المئذنتان لكل منهما درج حلزونى يصعد عليه المؤذن حتى يصل للشرفة الدائرية ذات الأعمدة الخشبية فيقف فيها المؤذن يصيح بالآذان بصوته الجهوري فتسمع القرية كلها الآذان ، كان صوت الشيخ سيد عامر رحمه الله بالجامع الكبير أقوى وأصدح من صوت الشيخ أحمد شهاب الدين بالجامع الصغير أو جامع الخمار….كان ذلك قبل الكهرباء وقبل أن تعرف القرية البطارية التي تدير الميكروفون ، ولما عرفت المساجد الكهرباء ، ما عاد مؤذن يصعد للمئذنة وما عاد الناس يترقبون سماع صوت المؤذن ، فصارت أصوات الميكروفونات ضجيجا ، وكثرت المآذن في القرية حتى صارت حوالى 15 مئذنة ، كان لتلك المئذنتين مكانة ومهابة وشوق لسماع صوت الآذان عند غروب أيام شهر رمضان وعند الفجر خاصة ، كنت أستمتع بالصعود لسطح المنزل قبل الغروب مصطحبا كرسيا خشبيا أجلس عليه أقرأ ربما بعض الدروس وربما بعض القرآن ، أرقب أسراب الطيور تطير كلها نحو الغرب صوب مدينة القناطر الخيرية حيث عشرات الآلاف من الأشجار والحدائق …كانت محمية طبيعية تلك الأشجار لكل الطيور ،كان يمكنني بكل وضوح وأنا جالس على سطح المنزل أن أرى قمم الأهرام الثلاثة وبرج القاهرة وهضبة المقطم وقلعة محمد على وعمارة رمسيس ومبنى الإذاعة والتليفزيون … كنت أراقب قرص الشمس ينزل ويتوارى خلف قمم الأشجار في القناطر الخيرية حتى أنتبه لصوت الشيخ سيد أو الشيخ أحمد معلنا موعد الفطور فاقفز مسرعا على السلم الخشبى لأجد كل شيء قد ترتب على الطبلية في وسط الدار أو فوق الفرن أيام الشتاء ، التمر المبلول بالماء والسكر ، والحساء الساخن وما لذ وطاب من اللحوم أو الطيور والمحشى وكل يوم أصناف مختلفة …كنا نأكل إفطارنا كاملا ثم نصلى المغرب بعد أن نفرغ من الإفطار ….كان أبى رحمه الله لابد أن يجلس خارج الدار على المصطبة وبجواره الراديو وقرآن ما قبل المغرب يعلو صوته أسمعه وأنا على سطح المنزل ويسمعه معظم بيوت الحارة : كان يتمدد بساقيه على المصطبة مرتديا القفطان الأبيض قبل أن تغزو حياتنا الأثواب البيضاء الصينية الواردة من الحجاز ،أو كان يأتي الشيخ محمد بدر ليقرأ القرآن بنفسه حتى يؤذن للمغرب واقفا على المصطبة ويتناول طعام الإفطار ، ثم يعود ليلا في المندرة بعد صلاة العشاء ليجلس يتلو القرآن ويأتي الأهل والأقارب يجلسون يستمعون للقرآن ويشربون الشاي والقهوة الذى كان يعده أحدهم دائما على نار الخشب أو قوالح الذرة في الموقد المعدنى الضخم …. كانت أمى رحمها الله وشقيقاتى يتولون إعداد الطعام ورص الأطباق على الطبلية الكبيرة ولم يحدث أبدا أن تأخر طعام أو تذمرنا من طعم شيء قد أعد لنا ، كان طعامنا طيبا شهيا وكنا في نعمة وبركة ، كنا نتعثر في الخير الموجود بالبيت ليلا من قمح وأرز ودقيق وبصل وثوم ، موائدنا كانت عامرة بفضل الله ، لم تنقطع الخيرات واللحوم والفواكه من بيتنا ، وكانت أمى رحمها الله سباقة للخير سخية اليد ، وبعد الإفطار والصلاة كنا نلتف حول الراديو لسماع المسلسلات والبرامج … رضا بوند …ألف ليلة …سيد مع حرمه في رمضان … حتى يحين موعد المذاكرة والدروس فننصرف لذلك ..او ننطلق إلى اللعب في الحارة والشارع الكبير ( داير الناحية) بعد صلاة العشاء … وربما نعود ونجلس مع الزوار بالمندرة نستمع للقرآن ونساعد في توزيع الشاي والقهوة …وأحيانا كان الشيخ محمد بدر رحمه الله يختبرني في حفظ صغار الصور ويصحح لى مخارج الحروف وتشكيل الكلمات، كانت إضاءة الحارة واجبة وإجبارية علينا من الوالد بوضع لمبة نمرة 10 توقد بالكيروسين داخل فانوس معلق بالحائط خارج المنزل ، وكنت أنا أو شقيقى مصطفى رحمه الله نتولى ذلك بسلم خشبى صغير ….. كنا نتحرى الإمساك مع الفجر إذا تم إطفاء فوانيس المئذنتين، فقد يغلبنا النوم ولا نصحوا للسحور فإذا كانت المئذنتان مضيئتان فلم يؤذن الفجر بعد.. وإذا كان قد تم إطفاء الفوانيس على المئذنتين، فقد فات الوقت ووجب الصيام.. ويكون يوما عسيرا علينا.
اليوم تبدل الحال وتغيرت كل المعالم، ما عادت القرية كما كانت أبدا ، وقد رحل عنا كثير من الأهل والأحباب ، وانطفأت الفوانيس وزاد الصخب والضجيج والأنوار، تغربت عشرات السنين وافتقدت كل تلك الأيام الخالية والقلوب الصافية ، ما عادت أمي ولا عاد أبى ولا أشقائي ، حتى البيت الذى كنت أجلس على سطحه صار أطلالا والبيت الجديد صار مكسوا بالسيراميك واكتست حوائطه بالألوان الغريبة …اختفت كنبات المندرة …مات الشيخ محمد بدر … صارت الحارة موحشة ، اختفى المذياع واختفت قفاطين أبى … تبقى لي جبال من الذكريات ودموع تغالبني وحشرجة تقهرني … راحت الأيام وراح الناس …. في غربتي صارت أيام رمضان أياما بلا طعم ولا لون ولا رائحة وطعامي صار مخلوطا بالدموع والدواء… وفى آخر عامين صار الوباء كابوسا يخيم على البشر، وتطبيق (توكلنا) لا ينقطع عن إرسال تنبيهات شديدة اللهجة بألا يتم غلق الجوال ولا غلق الإنترنت حيث يجب مراقبة كل تحركاتي على مدار الساعة فصرت أترك المحمول بالمنزل حتى يستمتع (توكلنا) بمراقبة المحمول مع العفاريت بالمنزل …. أين تلك الأيام قد ولت …. كانت لنا أيام وحياة جميلة واثقلتنا الأيام بالهموم وتلونت حياتنا بكل غث وثقيل على النفس فلا تلوموني إن لم أتفاعل مع أيامكم ولم أسارع بالتهنئة ورد التهنئة …. فرمضان صار غريبا عجيبا وضاع رمضان الذي كان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: