الأحد , مايو 16 2021

د. نيفين عبد الجواد تكتب :كل عام والجميع بخير

 

 

 

“كل عام وأنت بخير” جملة أصبحت متكررة يومًا بعد الآخر حتى لا يكاد أن يمر يوم أو أسبوع دون أن يتبادل فيه الناس من حولنا ونحن معهم جملة التهاني تلك التي ربما تكون قد فقدت الآن الكثير من رونقها وبهجتها من فرط ترديدنا لها بمناسبة وبدون مناسبة، وذلك بعدما كانت تمس القلوب فتلبسها ثوب الفرحة بالعيد. فهل نحن من أهدرنا قيمة تلك الجملة البسيطة بسبب سوء استخدامنا لها؟ أم إنها هي التي أضحت من فرط بساطتها غير معبرة عن حالنا الذي لم يعد يقنع بأية بساطة ومن ثم لم نعد نرى ما هو خير؟!

وها هي الأعياد قد كثرت وتزاحمت واختلطت حتى كادت أن تصبح عند الكثيرين غير ذات أهمية من فرط الاستهتار بها، ومن ثم أفقدناها نحن للتميز الذي كان يميزها عن غيرها من أيام العام. وبالرغم من ذلك فإن الأعياد حتى وإن كانت دينية بالأساس إلا إنها ما زالت في بلادنا ترتدي ثوب الوحدة الإنسانية التي معها يخرج الإنسان من أية حدود قد تعزله عن أخيه الإنسان.

فهل من الممكن أن يكون مجرد تمني الخير للآخرين –حتى وإن كانوا مختلفين عنا في أشياء ما– أمرًا قد يوقعنا في ارتكاب الآثام والخطايا؟ أم إن السلامة تقتضى أن نقصر أمنياتنا بالخير على من يشبهوننا في كل شيء ويشاركوننا في كل شيء؟ وهل حقًّا هناك من يشبهوننا في كل شيء أو من يشاركوننا في كل شيء؟ وكيف سيكون حال العالم عندما تحصر كل مجموعة من المتشابهين نفسها في عالم ضيق يحويهم هم فقط ولا يقبل أن يُفتح لهم الباب كي يستنشقوا عبير حريتهم باكتشاف كل ما هو مختلف؟ وهل من الممكن أن يتم التعارف بين الناس جميعًا وكل منهم منغلق على نفسه مع من يشبهه ومن هوعلى شاكلته وفقط؟

وهل يليق بالإنسان وهو يعيش في هذا الكون الرحب المتسع والمليء باللغات والثقافات والجنسيات والأشكال والألوان والديانات والمعتقدات والأفكار أن ينغلق على لغته وثقافته وعاداته وتقاليده وتراثه ودينه وفقط؟ وهل سيكون بذلك قد عاش الحياة التي كان يجب أن يحياها، والتي كان عليه أن يعرف فيها كل ما يُمكِّنه من العمل من أجل إعمار الأرض وإصلاحها؟

إن أولى علامات الغرور البشري وقصور التفكير التي تؤدي إلى الكِبر والعلو والإفساد فى الأرض هي رفض الآخر المختلف قبل الاقتراب منه وفهمه وتقديره واحترامه. فمن لم يستطع إدراك قيمة العيش المشترك، لن يتمكن من تحقيق الغاية منه، ومن لم يفقه فائدة الاختلاف بين البشر، لن يقوى على التسامح ولن يكون في مقدوره إقامة العدل.

ذلك أن حسن التعارف بين الناس يعني المعاشرة بالمعروف ليس فقط بتبادل التحيات وإلقاء السلامات، أو بمصافحة الأيدي وتبادل القبلات، ولكن بما كان متعمقًا في الوجدان عندما كان يتشارك غالبية الناس منذ زمن غير بعيد في الحياة بكل ما فيها، فأخذوا نصيبهم منها دون أن يحرموا الآخرين من نصيبهم فيها. آنذاك كان الإنسان يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، وكانت الأخوة تعني الأخوة في الإنسانية التي تجمع البشر جميعًا بلا استثناء، والتي لا تفرق بينهم بسبب دين أو لون أو جنس أو لسان أو شكل.

أما عندما لا نستطيع التمييز بين المشاركة الوجدانية والشعورية، وبين المشاركة الفكرية والعقدية التي ينتج عنها مشاركة طقسية دينية، أو المشاركة الثقافية والاجتماعية التي ينتج عنها مشاركة احتفالية شعبية، فهذا يحتاج منا إلى تأمل وإعادة تفكير. وعندما تصبح جملة التهنئة البسيطة “كل عام وأنت بخير” لكل إنسان، وفي أية مناسبة مهما كانت، ثقيلة على اللسان وعصية على الفهم والإدراك العقلي، ولابد لكل من ينطق بها أن يحمل كل ما يحمله الآخرون من أفكار ومعتقدات وقيم، وأن يكون مشابهًا لهم في كل شيء قبل أن يفكر في أي تعامل معهم، فهذا معناه أننا قد عقَّدنا كل ما هو بسيط، فانقبضت صدرونا بدلًا من أن تنشرح، وساءت أحوالنا بعدما كان يجب علينا أن نصلح منها، ولكن ذلك لم يكن ليفاجئنا بعدما انقدنا لما قيَّد حركتنا وأوشك أن يُجْهِز علينا. لذلك علينا إعادة تأمل أحوالنا وما كان عليه أسلافنا وما أصبحنا نحن عليه كي نفهم ما طرأ على مجتمعنا من تغيير.

إن شم النسيم لن يشترك في الاحتفال به في مصر هذا العام المسلمون بسبب صيامهم في نهار رمضان، مما سيؤخر احتفالهم بنسمات الربيع نهارًا إلى عيد الفطر والذي سيحل بعد أيام، ولكن هذا لا يمنع من تبادل التهنئة بعيدي القيامة والفطر بين كل من المسلمين والمسيحيين مثلما يتشاركون جميعًا في الاحتفال بقدوم الربيع على أرض وطنهم مصر. فجملة “كل عام وأنت بخير” بكل بساطتها وتلقائيتها لا يجب أن تتحول إلى جملة مستفزة للجدل أو داعية للاختلاف أو موقعة في الإثم فنمتنع عنها مغلقين أي باب للتعارف أو للتراحم والتآلف بيننا وبين أهالينا. فما أجمل أن نتمنى الخير لنا وللجميع وأن نحيا سويًّا في سلام حقيقي يملؤنا بالسكينة والراحة والطمأنينة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: