الأحد , مايو 16 2021

د. علي عبد الظاهر الضيف يكتب :قرفستان

هناك بلاد بعيدة بعيدة تسمى قرفستان نبت على أرضها شعب غريب الأطوار، يمتاز بصفات مختلفة عن باقي البشر؛ فهم مصابون بداء انفلات الريح، فيطلقون الريح بلا ضابط ولا رابط ويتلذذون بالاستمتاع إلى أصواتهم، ولا يجدون غضاضة في إطلاق تلك الأصوات والروائح في الأماكن العامة، فهي ليست لديهم معيبة.

 كما أنهم قد اكتشفوا بصمة خاصة بهم وهي بصمة الرياح، فهم لا يطرقون باب بيتهم مثلا ولا يحتاجون الى مفاتيح، إنما يكفيهم أن يدير أحدهم مؤخرته للباب، ويضعها على مكان ثقب المفتاح، ويطلق الريح، فيفتح الباب له بتلك الشفرة الخاصة التي تتحدد مِن سرعة الريح والرائحة المميزة لكل شخص، والتي تخرج معلنة عن شفرة وراثية معينة يسمح لها بالمرور عبر بوابة المنزل!

كما أن الضيف إذا أراد الدخول فما عليه إلا أن يرسل رسالة فسائيَّة عبر الواتساب لصديقه الذي يرسلها بدوره بضغطة زر واحدة إلى جهاز الاستقبال في بيته فتتعرف الأبواب على الشفرة لمدة يوم واحد، ويسمح له بالدخول دون مفتاح بمجرد إلصاق مؤخرته بثقب الباب وإطلاق الريح ومن عادات هؤلاء الناس عندما يزورهم ضيف اطلاق ٢١ ضرطة ذات صوت عالٍ ترحيبا بالقادم، حتى إنك تستطيع معرفة وجود ضيف عند جيرانك من خلال تلك الأصوات المتتالية !

هذا الشعب لديه جهاز إعلامي خطير يتم اختيار المذيعين فيه حسب قوة إخراج الريح ويتم تصنيفهم على مستويات تبدأ بـ (zrt 3) حتى (zrt ٩) وهؤلاء لديهم قوة تأثير غير طبيعية في الشعب، فهم يملكون من قوة الضراط وسرعة التفشي ما لا يملكه غيرهم من شعب قرفستان، ويتم ترقيتهم في عملهم بناء على درجة التأثير، تلك التي تحتاج خبرة عالية في إطلاق الرياح بقوة وسرعة بكلمات تمس القلوب والأنوف!

  ولا يستطيع أحد الاقتراب من مجال عملهم بسبب موجات البث العالية التي تصدر منهم بها، ومن يقترب منهم بدرجة عالية، قد يصاب بسرطان الأنف والمؤخرة أحيانا؛ لذلك يحاط مكان البث بأسلاك شائكة لالىاواجز موجية عالية.

هؤلاء الناس لا يحتاجون الى آلات موسيقية في أفراحهم؛ فهم يصدرون نغمات فسائية تداعب وجدان السامعين لديهم، ويرقصون على أنغامها ويمرحون

 . فضلاً عن أنهم لا يستخدمون العطور إلا نادرا في المناسبات، فغالبيتهم يضعون فلاتر معطرة تجعل الهواء تخرج منهم بروائح عطرية متنوعة .

أما عن عاداتهم الغذائية فطعامهم مكون من تركيبة معقدة من الكرنب والبيض والقنَّبيط مع شرب عصير الثوم الطازج بالفول السوداني المعتق !

ونجدهم يحتفلون بأول ضرطة للطفل في اجتماعي عائلي بهيج.

والأطباء لديهم مهرة فهم يستطيعون أن يشخصوا المرض بدقة من خلال قوة الريح ونوع الرائحة والنغمة الفسائية الوراثية، أمال قوة الضرطة لديهم فدليل على قوة الشخصية والتمتع بصحة جيدة .

وهم لا يتكلمون كثيرًا، وأحيانا تغني الأصوات التي تخرج منهم عن الكلام، فهناك أصوات تعبر عن الفرح وأصوات تعبر عن القلق، وأخرى تعبر عن الحزن أو الاشتياق أو الإحساس بالجوع .

 حتى المغازلة لديهم لها طقوس خاصة، تبدأ بريح طويلة يعقبها ثلاث دفقات للتعبير عن الارتياح النفسي للطرف الآخر، وفِي حال الرغبة في الارتباط فيكفي أن يمسك الشاب بيد الفتاة ويطلق خمس دفقات سريعة، وما عليها إلا إبداء الرأي بالموافقة أو بالرفض !

هؤلاء الناس يتحمسون فجأة ويخبو حماسهم فجأة، ولا تعرف السبب في ذلك فيجتمعون في احتفالات صاخبة مليئة بالكلمات الحماسيَّة والضرطات المتوالية ثم لا شيء!

  لا يحبون العمل كثيرًا، ولديهم كسل غير طبيعي، ومواعيدهم دائما غير دقيقة فيقول أحدهم لصديقه مثلاً : أمامي فقط ضرطتان وأكون عندك وهو نائم في سريره ما يزال !

 هذه البلاد تعرضت للاحتلال مرارا، وكانت مدة الاحتلال تطول كثيرا بسبب أنهم لا يطورون سلاحهم، فهم يعتمدون كليا على محاربة عدوهم بإطلاق الريح الذي قد يهز عدوهم في البداية، ويصيبه بالارتباك، ثم لا يلبث أن يجد بعض الحلول لذلك السلاح الكيماوي، وقد يتأقلم أحيانا مع سلاحهم فيصبح غير جدوى لدى شعب قرفستان الذي يكتفي عند احتلاله من حين لآخر بإطلاق بعض الطلقات البشرية دلالة على الامتعاض وشجباً لما يحدث لهم، مع إطلاق النكات أحيانا والاستشهاد بأشعار عنترة بن ضَرّاط أو بشار بن ضُرْط أو المبدع الكبير أبي الرياح الفسواني أول من جعجع في أشعار الحروب .

  موقعهم الجغرافي جعلهم دائما في مرمى الأطماع فضلا عن ثروات بلادهم اللامحدودة، ولكنهم لا يهتمون كثيرًا باستخراجها، فيتركونها للأجيال التالية التي أصيبت بالكسل نتيجة تراكم الغازات في بطونهم وتفضيل الراحة على العمل، رغم أن أجدادهم قد استغلوا ثرواتهم وبنوا حضارة عريقة، لكنهم مازالوا يعيشون على أمجاد تلك الحضارة التي اندثرت، ولم يتبق منها سوى ذكريات لأبطال عاشوا في مرحلة ما قبل الريح، حيث القوة والرشاقة مع قلة الطعام وكثير من الصيام، ودمج الأقوال بالأفعال .

أما عن إصابتهم بانفلات الريح فقد فسرها بعض العلماء بأنَّ التاريخ المرضي لهذا الشعب يعود إلى زمن اكتشاف الغاز في أرضهم، حيث تسرب بشكل أو بآخر في بطونهم فتفاعل داخلها، وعمل على تركيز مزيج من غازات المعدة مع الغاز الدخيل فأصبح خليطا غريبا مميزا لشعب قرفستان .

ومن حين لآخر يطلق بعض المصلحين والمثقفين من هذا الشعب بعض الدعوات إلى العودة إلى زمن ما قبل الريح، حيث تكون الأقوال كلها من الفم والتعبير عن المشاعر والأحاسيس من خلال السلوك اللفظي، وتغيير السلاح البيولوجي الكيماوي البشري واستبداله بأسلحة حديثة، لكنهم للأسف يعودون كبني جلدتهم إلى حيث كانوا ويخبو حماسهم فجأة كما اشتعل فجأة !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: