الأربعاء , سبتمبر 23 2020

عادل عبد الظاهر يكتب : بـغْـلة ! .. يا أيتها الدَوْلة ! ..

لا أنسى يوم أن واتتني فرصة جميلة لزيارة قطعة من
جنة الخلد، في جنوب ألمانيا، اسمها “الغابة السوداء”.

وأذكر أنني في بداية إقامتي هناك كنت ملازماً للبيت،
كطبيعتي المعتادة، مستمتعاً بموقع غرفتي المُطل على منظر الغابة الرائع، وبوجود مكتبة
عامرة، تمتليء بها كل أركان البيت، حتى الركن الذي ارتكن عليه سريري كان به مكتبة.
فالمقام والقرار كان كله منساباً لي ومؤنسا.

وعندما سألني مُضَيّفي عن سرّ طول مُكثي في البيت،
ولماذا لا أخرج لأتمشى وسط تلك الطبيعة الخلابة، فتحججت له أني أسمع بين آن وآخر نباح
كلاب، وأنا أخشى الكلاب، فضحك قائلاً: لا، لا تحمل هَمّاً ولا تخش من الكلاب، فالكلاب
عندنا “متربية”، فقلت له دَهِشاً: “متربية” ازاي يعني؟! فقال:
“متربية” في مدارس!

ففغرتُ فمي للحظة من هَوْل الصدمة، وهممت باللطم
وأنا أقول: عندكو مدارس للكلاب واحنا عندنا بنلاقي تختة بالعافية للعيال. فبادرني قائلاً:
أرجوك ! انسَ مصر شوية. أنا دعوتك هنا علشان تغير جوّ وتنسى ظروفكم شوية.

وعندما تماثلت للهدوء سألته: وماذا تفعل الكلاب
في مدارس الكلاب؟

فقال: هناك مدربون يدربونها على الهدوء والطاعة،
ويكسرون فيها غريزة التوحش، حتى لا تؤذي أحدا. ولو فرضنا أن أحد كلاب الجيران نبح عليك،
وتسبب في ترويعك، فإن من حقك أن تأخذ تعويضاً قدره خمسين يورو من صاحب الكلب، حسب
ما ينص القانون.

فقلت في نفسي: يا سلام على تلك البلاد ! سلامٌ
عليكِ يا ألمانيا في العالمين، يعني الواحد مننا ييجي هنا من العالم التالت “اللي
سافف تراب” يلقّط رزقه زي الفل. مجرد انك تتمشى شوية، وكل ما تلاقي كلب، تقوم
تستفزه، يقوم هو “مهوهو” عليك، يقوم مروّعك، وكدة تبقى اتعشت. خمسين يورو
على طول من غير كلام ولا فصال، كل “هوهوة” بخمسين يورو، والحسّابة بتحسب.

***

تذكرت هذه الحكاية عندما رأيت مشهداً قد يبدو معتادا
للكثيرين، ولكنه حاز مني بعض التركيز والتأمل، كان ذلك هو مشهد كلب ضال يعبث بكوم قمامة
بجوار أحد البلوكات السكنية، يبحث عن شيء يأكله، فشعرت بالحزن يأكل قلبي.

أرجوكم لا يوقظني أحد من حالة الشفقة التي تمَلَّكتْني،
ليقول لي أنه ثمة آدميون يأكلون من نفس الكوم، في محاولة للإيحاء بأن الكلب أقل شأناً،
إذا ما شاركه الإنسان في نفس المشهد.

عندها قلت لنفسي: أليست الدولة مسؤولة أمام الله
عن هذا الكلب الضال؟

 أليس وجود كلاب ضالة
أساساً هو سبب كافٍ لمحاسبة الدولة. فلا ينبغي، في وجود نظام دولة، أن يكون هناك
من الأساس كائنات ضالة، أياً كان نوعها.

الضلال هو نتيجة إهمال واستهانة واستضآل من تُخرجه
الدولة من دائرة اهتمامها.

ألم يقل عمر ابن الخطاب: «لو أن بغلة بالعراق عثرت،
“يعني اتكعبلت” لسألني الله لماذا لم أُمَهد لها الطريق” ..

“بغلة” ! .. يا أيتها الدولة !»

لم يقل عُمر أن “انسانا انكفأ” في
حفرة من العَوَز والذل، وإنما قال: “بغلة عثرت”.

إذن فلتبدأ الدولة من الآن بالتخلص من ضلال الكلاب،
حتى يحدونا الأمل أن الدور سيأتي يوما على الإنسان، فيعثر على طريقه، ليخرج هو أيضاً
من ضلاله ومن دائرة النسيان العام.

من الطبيعي أن يندهش بعض من فهم قصدي، أما من
التبس عليه الكلام، فقد فهم بالتأكيد أن التخلص من ضلال الكلاب، هو دعوة للقضاء
على الكلاب نفسها، عن طريق حملة لقتل الكلاب والقطط الضالة بالسُمّ وضرب البنادق.

فمن ذا الذي يصدق أنني أنادي بكرامة كل الكلاب والقطط الضالة، وكل الأحياء التي
ضلت طريقها بعيداً عن دائرة النظام، ومنها الإنسان، فلا يحيا على هذه الأرض من بعد
ذلك ضال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: