الأحد , يونيو 20 2021

إبتسام حوسني تكتب :المثقف و قيادة التغيير الاجتماعي

إن مفهوم ” المثقف ” مفهوم يبدو شيئا ما ملتبسا و غارقا في العمومية ؛ إذ لابد من تحديده تحديدا واضحا حتى نتمكن من وضع المفهوم في سياقه التاريخي و الاجتماعي و هذا ما سيجعلها نبحث عن المفهوم في مختلف الكتابات التي اهتمت بالموضوع و سنركز هنا فقط على مفهوم المثقف عند ميشيل فوكو و انطونيو غرامشي.
يميز غرامشي بين المثقف التقليدي و المثقف العضوي إذ يعيش الاول في برجه العاجي و يعتقد أنه أعلى من كل الناس في حين الثاني يحمل هموم كل الطبقات و كل الجماهير و كل الفقراء و المحرومين و الكادحين و من هنا يركز على المثقف العضوي باعتباره يعيش هموم عصره و يرتبط بقضايا أمته و يعمل على تغيير سيرورة المجتمع و تطوره.
كما يرى أن إشكالية المثقفين هي أساسية و جوهرية فكل البشر مثقفون بمعنى من المعاني و لكنهم لا يملكون الوظيفة الاجتماعية للمثقفين،التي هي من اختصاص ذوي الكفاءات العالية الذين يمكنهم التأثير في الناس .وقد أبدع غرامشي في تحليل واقع الرأسمالية الجديدة و إليه يرجع الفضل في استعمال مفهوم الهيمنة الثقافية.
أما ميشيل فوكو فيميز بين المثقف الخصوصي و المثقف العمومي .و هو يرى أن المثقف العمومي يمثل وعي المجتمع ككل و يجب أن يكون مدافعا و حاملا للحقيقة و العدالة،ذلك لأنه يمتلك نظرة شاملة للجميع تسمح له بالتمييز بين الصحيح و الخطأ.و تعد وظيفته الأساسية هي الدفاع عن الطبقات الضعيفة و تأسيس مجتمع عادل و متساو بالنسبة للجميع و لذلك فإنه نظر بحذر إلى المثقف الخصوصي و هو ذاك الذي يتصرف بحسب علاقته بالقوى السائدة و يوظف عددا معينا من الأفكار المعرفية التي يملكها بطريقة سريعة و مستعجلة يجري من خلالها نقدا محددا لنقطة خاصة مثلا المهندس المعماري الذي يقتصر فكره على معرفة ما يهم العمارة فقط.
هذا بينما المثقف العمومي لا يؤطر نفسه و لا يطبق معارفه ضمن انتقادات محلية و خاصة.ولكنه يؤسس خطابا عاما حول المجتمع يستهدف من خلاله معالجة مشاكل اللاعدالة السائدة فيه.
و من هنا يشير إلى اختلال في ميزان مهمة المثقف في المجتمع التي لم تعد السمة الروحية المشتركة و لا البلاغة المستفزة المدعومتين بقناعة أخلاقية و سياسية هما ما يحدد دور المثقفين و إنما مهارتهم في الاستعمال النقدي لقدراتهم بخصوص القضايا الخاصة فقط.
و عليه و من خلال تتبع كتابات فوكو يمكن أن نوجز مهام المثقف في الآتي:
– المثقف لا يعطي دروسا و لا يقوم بالتوجيه العام ،و إنما يقوم ادوات العمل و مناهج التحليل.
– المثقف هو الذي يوضح مسألة معينة أو يبين وضعية جديدة أو يكشف عن حالة خاصة.
– المثقف المتخصص ليس مرتبطا بجهاز الإنتاج و لكنه مرتبط بجهاز المعلومات و الذي لا يمكن أن يشكل بديلا لمعرفة العامل في جهاز الإنتاج.
– المثقف المتخصص هو الذي يقطع نهائيا مع دعوى الشمولية و الكونية و الكلية و يمارس يقظة سياسية نظرية أخلاقية في ميدان عمله أو محيطه الاجتماعي.
– المثقف هو المحلل و الناقد لأنظمة الفكر و التي أصبحت تشكل بديهيات و التي ترتبط بشكل عضوي مع مفاهيمنا و مواقفنا و سلوكنا.
و قبل الخوض في موضوع مداخلتنا المتعلق بالمثقف و قيادة التغيير الاجتماعي لابد من توضيح مفاهيم أخرى ستساعدنا في بحثنا هذا: الحضارة – الثقافة – المدنية.
تعرف الحضارة على أنها النتاج الإنساني الذي يعكس الصفات الفكرية للشعوب و طريقة العيش و مظاهر تطورها المادية و مجموعة النظريات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية المطبقة. و عندما نقول حضارة إنسانية فإننا نقصد التعبير الصريح عن الرقي المعنوي والمادي.
أما الثقافة فهي مجموعة من المعارف و الفنون و المعتقدات و الأفكار المتراكمة عبر حقب زمنية طويلة كما أنها فعل الفرد و إرادته في الفعل،كما تعتبر اسلوب حياة يميز كل مجتمع بشري عن غيره من المجتمعات و هي مخزون معرفي يتم تناقله من جيل إلى آخر.
أما المدنية فهي كلمة مأخوذة من المدينة على الأغلب و يقصد بمفهومها مظاهر التطور المادي الذي يطرأ على مكونات الحياة من أبنية و طرقات و مصالح و مدارس و جامعات و مراكز صحية و مستشفيات و غيرها.كما أنها تعبر عن وجود مجتمع يلتزم أفراده بقوانين الدولة و يتحركون بناء على اتصالهم بروح تلك القوانين و تصورهم التلقائي بأهمية الانتماء له في كل أفعالهم و ظروف حياتهم كما أنها تعني توفر المؤسسات التي تكون الدولة و تعني بالضرورة تنظيم تطبيق القوانين فيها.
إننا أمام إشكالية أساسية يطرحها عنوان هذه المداخلة فهل الواو هنا واو عطف تقتضي انخراط المثقف في التغيير الاجتماعي و قيادته و توجيه مساره أو أن هذه الواو هي واو الجمعية بمعنى أن المثقف ليس هو بالضرورة من يقود هذا التغيير الاجتماعي و إنما يكون مقتنعا به و مؤيدا له أو قد يكون ضده.
تثبت الوقائع التاريخية أن المثقفين كانوا في هذه الأدوار جميعها .و اذا كان ابن خلدون قد رأى أن المثقف هو أبعد الناس عن السياسة فإن البرجوازية في مرحلة صعودها و الفكر الماركسي أكدوا على أن المثقف ضليع في الهزات و التغييرات التاريخية الكبرى و أن بعضهم قد يتحول إلى عنصر معرقل للتغيير.
و اذا تفحصنا المسار التاريخي للتغيرات المجتمعية الكبرى نجد بعض المثقفين باعتبارهم نخبة من نوع خاص قادرين على فهم ميكانيزمات التطور و آليات ممارسات السلطة و الضغوط و قادرين على تنظيم نظريات بإمكانها أن تعبأ القوى و الجماهير لاحداث التغيير المنشود حتما.
و هكذا ففكر الفيزيوقراطيين و الأنوار و الفكر الاقتصادي الانجليزي قد مهد الطريق للانتقال من مجتمعات فيودالية استاتيكية إلى مجتمعات رأسمالية أكثر حركية و أكثر قابلية لإحداث تغييرات اجتماعية قادت إلى الثورات السياسية و الاقتصادية الكبرى ( الثورة الفرنسية – الثورة الصناعية.. الخ )
أما الاستغلال الرأسمالي فقط أنتج تناقضات جديدة استطاعت نخبة الانتليجانسيا استغلالها لتنظيم تعبئة اجتماعية جديدة قادت إلى الثورات الاشتراكية منذ أواخر القرن 19 و بداية القرن العشرين أعطتنا تجارب جديدة قادت بعض المجتمعات إلى الانتقال من مجتمعات متخلفة راكدة إلى مجتمعات متقدمة ( الثورة البلشفية- الثورة الصينية..)
و كانت مواقع النخب الثقافية تتغير بتقلبات المجتمع و تجذر التناقضات الاجتماعية مما كان يفرز بعض النخب التي جندت نفسها لخدمة الواقع القائم و لخدمة الطبقات المسيطرة و السائدة. و هكذا تحولت البرجوازية التي كانت ثورية و جادة في قلب المجتمعات الفيودالية إلى نخب رجعية و انتهازية غايتها التشبث بالنظام القائم و خدمة مصالحه.
و برجوعنا إلى المجتمع المغربي نجد أن فكر التغيير لدى النخب المثقفة كان حاضرا على مر التاريخ حيث أوجد الاستغلال الاستعماري نخبا ثقافية مغربية كان همها الوحيد و الأساسي هو محاربة الاستعمار و تحقيق الاستقلال مما أدى إلى وجود مقاومات شعبية كان لها دور في انتقال المجتمع المغربي من مجتمع محتل إلى مجتمع متحرر إلى حد ما. و خلق حصول المغرب على الاستقلال تناقضات جديدة و تبدلات اقتصادية أدت إلى ظهور نخب جديدة كانت تنشد التحرر الفعلي و تحقيق العدالة الاجتماعية و التطور الاقتصادي و الاجتماعي القادرين على تلبية حاجات المغاربة جميعهم ( حركة اليسار المغربي بين مطلع الستينات و نهاية الثمانينيات حيث كان اليسار يعج بالمثقفين العضويين الذين نظروا لاحداث ثورات ثقافية و سياسية بغاية تحسين أوضاع المغاربة و هذا واضح من خلال الإنتاج الفكري و الإعلامي لتلك الفترة إذ وجدنا بعض الأحزاب و المنظمات تسهر على إصدار مجموعة من المجلات المهمة في جميع المجالات العلمية و الاقتصادية و القانونية و الأدبية من مثل مجلة المشروع و مجلة الثقافة الجديدة و مجلة المقدمة و مجلة العلوم الاقتصادية و السياسية…. إلخ ).
أما منذ التسعينات من القرن الماضي إلى غاية وقتنا الراهن وجدنا انقلابا في مفاهيم التغيير الاجتماعي و معها تراجع المثقفين عن لعب الأدوار المنوطة بهم فانسحبوا من ساحة النضال من أجل التغيير و أصبحوا مجرد متفرجين مما أدى إلى سطو النخب التقليدية و النخب الظلامية على هذه الساحة و توجيه الرأي العام المغربي توجيها خاطئا لم يعد يجعل من غاياته إحداث التغيير المنشود بل اكتفى بتحقيق المصالح بالقدر الذي يخدمه و يعرقل كل تفكير جاد في مستقبل مشرق مستنير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: