الأحد , يونيو 20 2021

أكثر من يتيمة….بقلم / سحر عبدالقوي 

يتعاطفن مع اليتيمات، من فقدن آباؤهن وأمهاتهن  في مرحلة متقدمة أو متوسطة أو متأخرة. بمجرد أن تخبرهم إحداهن أنها يتيمة تحظي بالتعاطف وربما الشفقة. ذلك ليس سيئ على الإطلاق ولا غضاضة فيه. لكن هناك معاناة أشد وطأة من اليٌتم تختبرها فتيات كثيرات لا يبٌحن بها. ربما من فقدت أبيها نَعمت في حياته. بالتأكيد حظيت بالمحبة  (أو شيء منها) والحنان والمساندة ما يستحث دموع الفقد لديها. ربما هي تبكي وطأة الحياة بدونه، بدون الدعم اللاتي اعتدن عليه، المساندة، الاحتواء، الامان، القبول غير المشروط  للشكل والمظهر والامكانيات العقلية وحب فريد . تبكي لأنها ستجد نفسها تحولت لشخص عادي في نظر الجميع وأقل من عادي في نظر الكثير، تحولت لكيان يمكن استبداله، يمكن اقتناؤه، يمكن إيذاؤه والتسفيه من أحلامه وبعثرتها أدراج الرياح. فيبكين، وبكاؤهن مبرر ومفهوم طبعا.

لكن ثمة أشياء أكثر مرارة يصبح اليتم بجانبها شعوراً لا تملك الكثيرات رفاهيته. أن تكونين ابنة لرجل سيء يسيء معاملتك، أن تجربي التعنيف البدني والنفسي، أن تختبري القسوة، والرفض، والخبث، والاستهانة والكيد. أن يكن لديك أب على قيد الحياة متحرش أو مغتصب أو سيكوباتي يتلذذ بتعذيبك وسرقة أجمل سنوات عمرك وإيلامك. أن يكن لك أب يجبرك على مواجهة الحياة وحيدة وهو على قيد الحياة لم يٌقبَر. أن يكن لك أب فظ شرير يجبرك على مجابهة المكاره لأن مجابهة المكاره ألطف من معايشته.

ألا تختبري القبول الغير مشروط من أبوكِ، ألا تختبري الإيمان بكِ من أقرب الأقربين، أن تختبري الخسف بك من أقرب الناس، والغدر بك من أقرب الناس، وبخس حقك من أقرب الناس، وإيذاء أقرب الناس ذلك هو الجحيم الذي يصبح اليتم بمقارنته جنة ومثار حسد أيضا. أن يأتي المصاب ممن يتوجب علينا أن نلجأ له عند حدوث المصاب، ذلك يترك فجوة في القلب لا يملؤها شيء، جرحا لا يشفي، بترا لاشعوريا في الوجدان لا ينمو مجددا كبتر الأطراف واسئصال الأعضاء الحيوية. تصبح قلوب هؤلاء هوة سحيقة نهمة لمحبة لن يحصلن عليها، وقلما يجود القدر الذي امتدت أذرعه وسلبتهن حقهن في حظ أسري جيد بمنح العوض_قلما. تصبح القلوب عطشة وجافة كبشرة لا تقابل عنايتك بها بالعرفان والنضارة. تمتد طفولة الوجدان التي لا تجد سبيلها  للرعاية والاحتواء على مدار العمر. وتصبح العقول مستعدة لقبول الغدر من أي شخص، والخيانة من أي شخص. ينخفض سقف التوقعات في البشر وربما ينهار لأن من كان يجب عليه المنح منع، ومن كان دوره في الحياة الحماية آذي، ومن كان واجبه الحب والحنان جحد فماذا سيتوقعن اولئك من الغير معنيين بذلك بحكم الواجب والفطرة الحيوانية قبل الإنسانية؟ لن ينتظرن شيئا كثيرا وربما لن ينتظرن شيئا على الإطلاق.  سيحاولن انتزاع حقوقهم نعم، لكن المشاعر لا تنتزع، الإخلاص ليس إجباريا، أما القبول فهو مشروط دائما _والجميع سِلَع معروضة في سوق الحياة.

أن تكونين أكثر من يتيمة يزعزع أمانك وإيمانك معاً، يجعلك متحفزة دوما، قلقة، ثائرة، غاضبة، حارقة لأنك لا تملكين حتي ذكري جميلة تبكي على أطلالها. فقيرة من حال أفضل تبكين عليه عندما يقلب لك الدهر ظهر المِجَن. وكل صفعة أو عرقلة أو سوء حظ يذكرك بأنك كنت سيئة الحظ منذ البداية. وبأنك لا يفترض أن تنتظري من الغرباء  الخير الذي لم يمنحك إياه الأقرباء وترددين بينك وبين نفسك مع كل مقلب تشربيه في صديق مزيف أو حبيب مخادع أو زوج خائن أو سيء المعشر المثل القائل: “مالقيتوش مع أبو ولادي…هالاقيه مع بياع الزبادي؟!”_ كناية عن الحظ. لا تخبروني بأنه لا يوجد آباء وأمهات وأقارب هكذا….حينها ستوصمون بالسذاجة والبلاهة والبلادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: