الخميس , يونيو 17 2021

د. نيفين عبد الجواد تكتب :السمع والطاعة

 

                                                                                         

 

إنَّ من يَسمع يملك أداة سمع تعمل جيدًا، وأداة السمع التى تعمل جيدًا لم يخلقها الإنسان لنفسه وبنفسه ولكنها وُهبِت له من خالقه وخالق الموت والحياة؛ لذا فالخالق هو من يمنح الإنسان القدرة على السمع، وهو أيضًا من يمنحه القدرة على الاستماع والرغبة فيه بهدف الفهم والاستيعاب. فإذا أدى العقل وظيفته فأصبح يدرك ويعي بعدما سمع، وكذلك إذا أبصر القلب فبإمكانه أن يفقه ويؤمن، آنذاك يكون الإنسان مسئولًا عن سمعه وبصره وعن فؤاده ومن ثم عن عمله.

فإذا ما تعددت الأقوال والأحاديث فلابد أن يختار الإنسان أحسن القول وأحسن الحديث كي يتبعه، وهذا الاختيار عندما يكون بحرية يكون الإيمان إيمانًا صادقًا، ومن ثمَّ لابد أن ينتفى فيه دور الوصيّ الذى يلاحق الآخرين بأمره لهم: “اسمَع الكلام”؛ فهذا التوجيه الصارم لا يوجد إلا في المجتمعات الضعيفة الهشة القائمة على الاستبداد والقابلة للفساد والمتقبِّلة للاستضعاف والطغيان.

فمن يريدك أن “تسمع الكلام” إنما يُجبرك على طاعته بلا فهم أي رغمًا عن عقلك الذي يجب عليك أن تُعمله، ومن يجعلك تعتاد ذلك من مصلحته أن يوقف عقلك عن العمل كي تظل تابعًا له فيستفيد هو منك بخضوعك له ولا تستفيد أنت شيئًا.

وخالقك هو من يهديك وهو من يملك القدرة على أن يُسمعِك فتستمع وتعقل وتفقه وتؤمن، أما كل البشر فهم مثلك، حتى الرسل أنفسهم لا يملكون القدرة على إسماعك أو هدايتك إذا كان قلبك وعقلك مشغوليْن بشيء آخر يحجب عنهما الهداية. إنهم فقط يبلغون الرسالة دون سلطان لهم على أحد؛ لذلك فالخالق وحده عندما تسمع له تجب عليك طاعته ما دمت قد آمنت به، وهذا هو المحمود من السمع والطاعة، إنه السمع من أجل الاهتداء إلى الإيمان ومن ثم الخضوع بالطاعة بعد ذلك، أما البشر الذين خلقهم الله جميعًا فأنت من تقرر أن تُخضِع نفسك لهم وكأن طاعتك إياهم لابد وأن يلازمها تخليك عن عقلك وعن حريتك، وكأن كل ما تسمعه منهم لا يحتاج إلى أي تفكير منك!

ومن هنا تبرز أهمية العقل؛ فمتى يُعمِل الإنسان عقله سيفقه قلبه مَن مِن البشر الذي يجب عليه أن يطيعه طاعة لا تسلبه عقله أو حريته حتى لو كان هذا البشر رسولًا من الإله. وآنذاك إذا أُلقِي إليه أمر عام يجب عليه طاعته لن يلف ويدور حوله كي يتهرب منه، ولن يجادل في تفاصيله كي يجد له أي مخرج منه؛ بل سيجتهد في تحقيق مجمله قدر استطاعته طلبًا للرشاد ورغبة في الفوز والفلاح؛ وذلك لأنه صدق في الإيمان ومن ثم لابد أن يصدق في الطاعة.

وهل كان شقاء بني إسرائيل إلا بسبب أنهم كانوا يسمعون إلى أنبيائهم ثم يتهربون من الطاعة؟ وهل النفاق شيء آخر سوى التظاهر بالسمع من أجل الطاعة مع إخفاء الرغبة في المعصية؟ وهل من الممكن أن يظل المنافقون طوال الوقت يُظهِرون الإيمان للعيان ويخفون في صدورهم ما هو ضده دون أن يفتضح أمرهم يومًا؟

وها هي ليلة القدر تتميز عن شهر بأكمله دون أن تنفصل عنه بل تظل جزءًا منه كي يحاول كل من اتحدوا في الإيمان والإسلام وتوحدوا في شعيرة الصيام الاجتهاد طوال شهر بأكمله وذلك من أجل الاستعداد للعشر الأواخر التي حتمًا سيتمايز فيها عن بقية الصائمين من يحسن الصيام والقيام ويفعل الخيرات ويمتنع عن المنكرات. وبذلك يحقق السمع والطاعة وحدة المسلمين ويظل في نفس الوقت لا ينفي إمكانية التفرد والتميز كي يسارع الجميع إلى التقوى القلبية بصدق غير مكتفين بأداء الشعائر الظاهرية؛ ومن ثم يتم فرز من أطاع بصدق ومن تظاهر بالطاعة فتظل بذلك ثمرة الطاعة مورقة ومزهرة في قلوب المؤمنين الصادقين من أجل أن يزداد الإيمان ولا ينقص على مدار الأيام، ومن أجل أن يتحرر المؤمن من العلائق والعوائق فينضج ويسعد ولا يخبو أو يشقى، ومن أجل يرى كل مؤمن بنفسه مدى صدق إيمانه ويتبين بجلاء ما يخفيه في صدره من حب للطاعة أو استثقال لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: