الجمعة , نوفمبر 27 2020

تفاصيل وشخوص ….قصه قصيره للكاتب حسين أبو السباع

دخل فصلنا محمد سليمان أستاذ اللغة العربية الملتحي الذي كان ينافق ناظرة المدرسة، وبصوته الجهوري قال:

العيال اليتامى يطلعوا علشان ياخدوا بيجامات.. وبالمرة المسيحيين كمان ياخدوا حصة دين.. فخرج أربعة صغيرات في مرايلهن التيل نادية صوب الباب “منكسرات”، يقفن في صف ليس طويلا..

يعود صوت المعلم: حاذي مع اللي قدامك..

وجيه وهيب يُخرج كتاب الدين المسيحي من حقيبته.. ويمسك بيد هاني شهدي نحو الباب، يتوجهان إلى فصل التربية الفنية، أو غرفة الموسيقى، أو أي زاوية هادئة عند أبلة بشرى، المعلمة التي تدرِّس مادة الدين المسيحي، كانت تخطو من نحولها وبما ترتديه من ملابس فضفاضة، غامقة الألوان، بحاجبين ثقيلين، بهدوئها المعتاد، وابتسامتها الوادعة، تجمع حوارييها حولها، لتدرس لهم: إذا ضربك أخوك على خدك الأيمن، فادر له الأيسر… وكيف كان الرب جسرًا لتكفير البشر عن الخطايا…، وكيف أنَّ الآب والابن والروح القدس إله واحد… و”الله محبة”..
كنت أراهم من بعيد وأسأل نفسي. لماذا يدرسون وحدهم بهذا الشكل الهادئ، ولا نعرف نحن ما يعرفونه في الكتاب المخبوء بحقيبة وجيه وهاني.. ويتناولونه بعناية شديدة…
لم يجبني أحد على تساؤلاتي غير المعلنة، لأننا لم نتعود أن نسأل
وجيه وهاني يجلسان معنا في الفصل، بينما تشرح لنا أبلة سهير السورة القرآنية المقررة، هم يسمعون ما ندرس من آيات قرآنية، ونحن لا نسمع ما يدرسونه من آيات إنجلية.. لماذا؟
هذا السؤال أجابته أخيرًا أبلة سهير، حين تجرأت وسألتها، وكانت إجابتها عبقرية:
علشان مسيحيين..
ولأننا تعودنا على ألا نعلِّق على الإجابة، إلا بالتأكيد أنَّها الإجابة الكافية الوافية لكل ما يدور في عقولنا الصغيرة.

– أيوا يا أبلة.. بس مسيحيين يعني إيه؟
– روح دلوقتي.. حابقى أفهمك بعدين..

وكان الصليب مرسوماً باللون الأزرق على معصم وجيه وكذلك هاني، الصليب يثير التساؤل الثاني عندي.. لماذا هم يزينون معصمهم بالصليب ونحن المسلمين لا، ولماذا هذا الشكل؟
أسئلة لم أجد عليها إجابة..

وفي حصة تسميع النصوص..
“إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه….”.
أبلة سهير: اللي بعده..
حتى وصل الدور إلى وجيه، فصمت، متجاهلاً الإشارة إليه من أبلة سهير أن يكمل الآية.. حتى صرخت فيه، وهي تلوح بعصاتها الصغيرة..

كمل يا وجيه.
أنا مسيحي يا أبلة.
يعني إيه مسيحي.. دا نص في كتاب القراءة، لازم تحفظه.
يا أبلة دا قرآن.. وأنا مسيحي.
مسيحي مش مسيحي هتحفظه.

جلس وجيه يبكي.. وهو مصرٌ أنَّه مسيحي، لا ينبغي له أن يحفظ القرآن، أو حتى يتلوه.

ثم تناست أبلة سهير إعادة سؤال وجيه عن حفظ الآية، أو لا.
في الاختبارات النهائية كان عاديًا جدًا أن تتفاجأ بسؤال عن هذه الآيات القرآنية، والسؤال إجباري على الجميع.
بالطبع كان هناك من زملائنا في مختلف مراحل الدراسة يحفظون كل شيء محتمل أن يأتي منه سؤال، قرآن.. إنجيل.. توراه.. حتى لو نص هندوسي مقرر.. كانوا يحفظونه، على الطريقة الميكافللية “الغاية تبرر الوسيلة”، ويجيبون ويحصلون على الدرجات النهائية..
ويفاجئنا وجيه وغيره كثيرًا بهذا التفوق حتى في النص القرآني المطلوب حفظه من دون فهم أو وعي.. أو درس ما فيه، المهم حفظه وتقيؤه على ورقة الإجابة.. وكنت أبتسم لأني لم أتقن الحفظ أحيانًا، وإن تظاهرت بعكس ذلك.

تعود اليتيمات إلى فصولهن، وكل واحدة تحمل كيسًا صغيرًا.. وبعين منكسرة، تدس الكيس داخل بئر الحقيبة الجلدية، أو الكيس الدمُّور الذي كان يحل محل الحقيبة، وكل من يحمل هذا الكيس القماش نعرف أنَّه إمَّا فقير أو يتيم، وغالبًا ما يكون الانكسار الذي يحمله في كيسه على ظهره، سببًا في تأخر مستواه الدراسي، كما كانت فاطمة عبدالعاطي، زميلتنا اليتيمة التي رغم كيس مريلتها يوميًا، وإخراج ساندويتش الفول لتشاركنا أحيانًا الأكل في “الفسحة”، إلا أنَّها كانت متأخرة جدًا دراسيًا، فكانت تنزوي كفأر في مؤخرة الفصل، ككم مهمل، من أبلة سهير التي كانت حين تريد أن تعاقب وتستعمل الضرب، تتذكرها، وتسألها، فلا تجيب، فتخرج، وتضربها، ضربًا مبرحًا، وهي تقول لها إن هذا الضرب لمصلحتها..
وفي يوم تواصل الضرب، حتى انفجرت فاطمة، وهربت من الفصل، منطلقة عبر فتحة في سور المدرسة الذي كان يرمم، وأخذت تجري في الشارع، فصرخت فيَّ أبلة سهير، ومعي اثنان من زملائنا، أن نأتي بها، وهرولنا وراءها في الشارع، وتبعنا فراش المدرسة، الذي أمسكها بقبضة من حديد من ياقة مريلتها، وأعادها عنوة إلى الفصل، ونحن الثلاثة وراءهما، نتوقع لها علقة ساخنة أخرى، لكن أبلة سهير أطلقت سراحها، وحاولت تهدئتها، ومنحتها قطعة ملبن، وأخذتها إلى أبلة منى الحكيمة، لتغسل وجهها، وتتحدث معها لتهدئتها.. ومن يومها، جلست فاطمة عبدالعاطي مكانها إلى الأبد، ولم تقم يومًا لتجيب مع أبلة سهير، أو أنها نالت عقابًا.
محمد خير الله، زميلنا اليتيم، وعمَّه فراش المدرسة العم عبدالحفيظ، أو الحافظ، كما كان البعض ينادونه بالمسميين، كان محمد يحصل على “البيجامة” مجانًا، وكتب المدرسة مجاناً أيضًا، فيدس كلَّ ما تحصل عليه يداه داخل الكيس الدمُّور، لكنه كسر قاعدة اليتم المتلازمة مع التأخر الدراسي، فكان نابهًا إلى حد كبير، ويحصل على درجات مرتفعة نسبيًا.. هو أيضًا يحمل اليتم والفقر في الكيس الدمور على ظهره ذهابًا إلى المدرسة، وإيابًا.
هدى السيد محمد عشماوي وأخوها علي.. كانا يخرجان مع التلاميذ اليتامى، فيحصل كل منهما على بيجامة في كيس ملون، يدسانها في الكيس الدمور أيضًا، ومنذ الصف الأول الابتدائي، ونحن الآن في الرابع، وهما يحصلان على ما يحصل على اليتامي، حتى حصل ما لم يتوقعه أحد منا، ولا حتى هما.
في اليوم الذي حصلا على البيجامة، جاء أبوهما إلى المدرسة، لتكون المفاجأة أنهما يحصلان على ما يحصل عليه اليتامى، وأبوهما على قيد الحياة..
طرق الباب ودخل مرتدياً معطفاً نصف جديد ونصف قديم.. فتح الباب ليواجه أبله سهير.

– أيوا.. اتفضل..
– أنا أبو هدى وعلي..
ترتسم كل علامات الدهشة على وجه أبلة سهير، فتقوم من مقامها، وتدلف من باب الفصل إلى الممر، فتنادي على الناظرة، والأستاذ محمد سليمان، والأستاذ أحمد لطفي، وقبل أن يرتد إليها طرفها، كانا في الفصل.
في هذه الأثناء، وجها هدى وعلي، اصفرَّا واخضرَّا، واكتسيا بكل ألوان الطيف، وأبوهما لا يعرف، سر الهمهمات التي ربما لم يلتف إليها حينها.
عادت الأبلة سهير، ومعها الناظرة ومحمد سليمان وأحمد لطفي ليعيد لاسؤال مرَّة أخرى على الرجل:
– حضرتك مين؟
– أنا أبو هدى وعلي..
– ممكن بطاقتك لو سمحت..
– اتفضل
– إزاي تكون أبوهم.. دول مسجلين أيتام في كل ورق المدرسة.. وبياخدوا الإعانة ديمًا.
– إيه أيتام.. ليه كده يا أستاذ؟
– هو إيه اللي ليه كده.. تعالى يا علي وهات أختك معاك.. والشنط كمان..
يصعق الأب حين يرى البيجامات تخرج من الكيس القماش..
يسوق الأستاذ أحمد لطفي بطوله الفارع، وعصاه الخيزران الجميع أمامه، مومئًا لأبلة سهير أنه حتمًا سيعرف الحقيقة.. ويخرج الجميع من الفصل.

قومي يا إيمان اكتبي اسم اللي يتكلم..

خرجت أبلة سهير من باب الفصل، ونادت على زميلتيها المجاورتين، فخرجتا من فصليهما، وتركتها إيمان، لتكتب اسم من يتكلم، ففي كل فصل إيمان تكتب اسم المشاغبين، بينما المعلمات يمارسن النميمة في الممر، ويتابعان أخبار هدى وعلي، وماذا حلَّ بهما.. وكان أبوهما قد أخذهما من المدرسة، وعاد أدراجه، ولم نعرف ما الذي حلَّ بالصغيرين، المدعيين اليتم.. حتى اليوم التالي..
وقبل أن ننشد في طابور الصباح “بلادي.. بلادي.. لكل حبي وفؤادي…”، علمنا أن نصيب هدى وعلي من أبيهما علقة ساخنة في البيت، بدت آثارها على وجه الصغيرين، وفي الطابور، كانا يقفان بجوار محمد سليمان الذي شهَّر بهما في الميكرفون، كاشفًا سترهما للجميع، أنَّهما ادعيا اليتم، وأنَّه تم اكتشاف كذبهما، وأنَّ الكذاب حتمًا سيكشفه الله أمام الجميع..
ويدخل أحمد لطفي مزهوًا بنفسه، وكان ينقصه حصان يمتطيه، وهو يهز عصاه الخيزران، ليهوى بها على يدي الصغيرين، حتى تشققتا من قسوة العقاب على ادعاء اليتم، رغم الفقر..
وتحول علي وهدى إلى كائنين منبوذين في الفصل والمدرسة بأسرها..
وكان عليهما أن يخترعا كذبة ضخمة تواري فعلتيهما الصغيرة..وكان ما كان.

دخل فصلنا محمد سليمان أستاذ اللغة العربية الملتحي الذي كان ينافق ناظرة المدرسة، وبصوته الجهوري قال:

العيال اليتامى يطلعوا علشان ياخدوا بيجامات.. وبالمرة المسيحيين كمان ياخدوا حصة دين.. فخرج أربعة صغيرات في مرايلهن التيل نادية صوب الباب “منكسرات”، يقفن في صف ليس طويلا..

يعود صوت المعلم: حاذي مع اللي قدامك..

وجيه وهيب يُخرج كتاب الدين المسيحي من حقيبته.. ويمسك بيد هاني شهدي نحو الباب، يتوجهان إلى فصل التربية الفنية، أو غرفة الموسيقى، أو أي زاوية هادئة عند أبلة بشرى، المعلمة التي تدرِّس مادة الدين المسيحي، كانت تخطو من نحولها وبما ترتديه من ملابس فضفاضة، غامقة الألوان، بحاجبين ثقيلين، بهدوئها المعتاد، وابتسامتها الوادعة، تجمع حوارييها حولها، لتدرس لهم: إذا ضربك أخوك على خدك الأيمن، فادر له الأيسر… وكيف كان الرب جسرًا لتكفير البشر عن الخطايا…، وكيف أنَّ الآب والابن والروح القدس إله واحد… و”الله محبة”..
كنت أراهم من بعيد وأسأل نفسي. لماذا يدرسون وحدهم بهذا الشكل الهادئ، ولا نعرف نحن ما يعرفونه في الكتاب المخبوء بحقيبة وجيه وهاني.. ويتناولونه بعناية شديدة…
لم يجبني أحد على تساؤلاتي غير المعلنة، لأننا لم نتعود أن نسأل
وجيه وهاني يجلسان معنا في الفصل، بينما تشرح لنا أبلة سهير السورة القرآنية المقررة، هم يسمعون ما ندرس من آيات قرآنية، ونحن لا نسمع ما يدرسونه من آيات إنجلية.. لماذا؟
هذا السؤال أجابته أخيرًا أبلة سهير، حين تجرأت وسألتها، وكانت إجابتها عبقرية:
علشان مسيحيين..
ولأننا تعودنا على ألا نعلِّق على الإجابة، إلا بالتأكيد أنَّها الإجابة الكافية الوافية لكل ما يدور في عقولنا الصغيرة.

– أيوا يا أبلة.. بس مسيحيين يعني إيه؟
– روح دلوقتي.. حابقى أفهمك بعدين..

وكان الصليب مرسوماً باللون الأزرق على معصم وجيه وكذلك هاني، الصليب يثير التساؤل الثاني عندي.. لماذا هم يزينون معصمهم بالصليب ونحن المسلمين لا، ولماذا هذا الشكل؟
أسئلة لم أجد عليها إجابة..

وفي حصة تسميع النصوص..
“إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه….”.
أبلة سهير: اللي بعده..
حتى وصل الدور إلى وجيه، فصمت، متجاهلاً الإشارة إليه من أبلة سهير أن يكمل الآية.. حتى صرخت فيه، وهي تلوح بعصاتها الصغيرة..

كمل يا وجيه.
أنا مسيحي يا أبلة.
يعني إيه مسيحي.. دا نص في كتاب القراءة، لازم تحفظه.
يا أبلة دا قرآن.. وأنا مسيحي.
مسيحي مش مسيحي هتحفظه.

جلس وجيه يبكي.. وهو مصرٌ أنَّه مسيحي، لا ينبغي له أن يحفظ القرآن، أو حتى يتلوه.

ثم تناست أبلة سهير إعادة سؤال وجيه عن حفظ الآية، أو لا.
في الاختبارات النهائية كان عاديًا جدًا أن تتفاجأ بسؤال عن هذه الآيات القرآنية، والسؤال إجباري على الجميع.
بالطبع كان هناك من زملائنا في مختلف مراحل الدراسة يحفظون كل شيء محتمل أن يأتي منه سؤال، قرآن.. إنجيل.. توراه.. حتى لو نص هندوسي مقرر.. كانوا يحفظونه، على الطريقة الميكافللية “الغاية تبرر الوسيلة”، ويجيبون ويحصلون على الدرجات النهائية..
ويفاجئنا وجيه وغيره كثيرًا بهذا التفوق حتى في النص القرآني المطلوب حفظه من دون فهم أو وعي.. أو درس ما فيه، المهم حفظه وتقيؤه على ورقة الإجابة.. وكنت أبتسم لأني لم أتقن الحفظ أحيانًا، وإن تظاهرت بعكس ذلك.

تعود اليتيمات إلى فصولهن، وكل واحدة تحمل كيسًا صغيرًا.. وبعين منكسرة، تدس الكيس داخل بئر الحقيبة الجلدية، أو الكيس الدمُّور الذي كان يحل محل الحقيبة، وكل من يحمل هذا الكيس القماش نعرف أنَّه إمَّا فقير أو يتيم، وغالبًا ما يكون الانكسار الذي يحمله في كيسه على ظهره، سببًا في تأخر مستواه الدراسي، كما كانت فاطمة عبدالعاطي، زميلتنا اليتيمة التي رغم كيس مريلتها يوميًا، وإخراج ساندويتش الفول لتشاركنا أحيانًا الأكل في “الفسحة”، إلا أنَّها كانت متأخرة جدًا دراسيًا، فكانت تنزوي كفأر في مؤخرة الفصل، ككم مهمل، من أبلة سهير التي كانت حين تريد أن تعاقب وتستعمل الضرب، تتذكرها، وتسألها، فلا تجيب، فتخرج، وتضربها، ضربًا مبرحًا، وهي تقول لها إن هذا الضرب لمصلحتها..
وفي يوم تواصل الضرب، حتى انفجرت فاطمة، وهربت من الفصل، منطلقة عبر فتحة في سور المدرسة الذي كان يرمم، وأخذت تجري في الشارع، فصرخت فيَّ أبلة سهير، ومعي اثنان من زملائنا، أن نأتي بها، وهرولنا وراءها في الشارع، وتبعنا فراش المدرسة، الذي أمسكها بقبضة من حديد من ياقة مريلتها، وأعادها عنوة إلى الفصل، ونحن الثلاثة وراءهما، نتوقع لها علقة ساخنة أخرى، لكن أبلة سهير أطلقت سراحها، وحاولت تهدئتها، ومنحتها قطعة ملبن، وأخذتها إلى أبلة منى الحكيمة، لتغسل وجهها، وتتحدث معها لتهدئتها.. ومن يومها، جلست فاطمة عبدالعاطي مكانها إلى الأبد، ولم تقم يومًا لتجيب مع أبلة سهير، أو أنها نالت عقابًا.
محمد خير الله، زميلنا اليتيم، وعمَّه فراش المدرسة العم عبدالحفيظ، أو الحافظ، كما كان البعض ينادونه بالمسميين، كان محمد يحصل على “البيجامة” مجانًا، وكتب المدرسة مجاناً أيضًا، فيدس كلَّ ما تحصل عليه يداه داخل الكيس الدمُّور، لكنه كسر قاعدة اليتم المتلازمة مع التأخر الدراسي، فكان نابهًا إلى حد كبير، ويحصل على درجات مرتفعة نسبيًا.. هو أيضًا يحمل اليتم والفقر في الكيس الدمور على ظهره ذهابًا إلى المدرسة، وإيابًا.
هدى السيد محمد عشماوي وأخوها علي.. كانا يخرجان مع التلاميذ اليتامى، فيحصل كل منهما على بيجامة في كيس ملون، يدسانها في الكيس الدمور أيضًا، ومنذ الصف الأول الابتدائي، ونحن الآن في الرابع، وهما يحصلان على ما يحصل على اليتامي، حتى حصل ما لم يتوقعه أحد منا، ولا حتى هما.
في اليوم الذي حصلا على البيجامة، جاء أبوهما إلى المدرسة، لتكون المفاجأة أنهما يحصلان على ما يحصل عليه اليتامى، وأبوهما على قيد الحياة..
طرق الباب ودخل مرتدياً معطفاً نصف جديد ونصف قديم.. فتح الباب ليواجه أبله سهير.

– أيوا.. اتفضل..
– أنا أبو هدى وعلي..
ترتسم كل علامات الدهشة على وجه أبلة سهير، فتقوم من مقامها، وتدلف من باب الفصل إلى الممر، فتنادي على الناظرة، والأستاذ محمد سليمان، والأستاذ أحمد لطفي، وقبل أن يرتد إليها طرفها، كانا في الفصل.
في هذه الأثناء، وجها هدى وعلي، اصفرَّا واخضرَّا، واكتسيا بكل ألوان الطيف، وأبوهما لا يعرف، سر الهمهمات التي ربما لم يلتف إليها حينها.
عادت الأبلة سهير، ومعها الناظرة ومحمد سليمان وأحمد لطفي ليعيد لاسؤال مرَّة أخرى على الرجل:
– حضرتك مين؟
– أنا أبو هدى وعلي..
– ممكن بطاقتك لو سمحت..
– اتفضل
– إزاي تكون أبوهم.. دول مسجلين أيتام في كل ورق المدرسة.. وبياخدوا الإعانة ديمًا.
– إيه أيتام.. ليه كده يا أستاذ؟
– هو إيه اللي ليه كده.. تعالى يا علي وهات أختك معاك.. والشنط كمان..
يصعق الأب حين يرى البيجامات تخرج من الكيس القماش..
يسوق الأستاذ أحمد لطفي بطوله الفارع، وعصاه الخيزران الجميع أمامه، مومئًا لأبلة سهير أنه حتمًا سيعرف الحقيقة.. ويخرج الجميع من الفصل.

قومي يا إيمان اكتبي اسم اللي يتكلم..

خرجت أبلة سهير من باب الفصل، ونادت على زميلتيها المجاورتين، فخرجتا من فصليهما، وتركتها إيمان، لتكتب اسم من يتكلم، ففي كل فصل إيمان تكتب اسم المشاغبين، بينما المعلمات يمارسن النميمة في الممر، ويتابعان أخبار هدى وعلي، وماذا حلَّ بهما.. وكان أبوهما قد أخذهما من المدرسة، وعاد أدراجه، ولم نعرف ما الذي حلَّ بالصغيرين، المدعيين اليتم.. حتى اليوم التالي..
وقبل أن ننشد في طابور الصباح “بلادي.. بلادي.. لكل حبي وفؤادي…”، علمنا أن نصيب هدى وعلي من أبيهما علقة ساخنة في البيت، بدت آثارها على وجه الصغيرين، وفي الطابور، كانا يقفان بجوار محمد سليمان الذي شهَّر بهما في الميكرفون، كاشفًا سترهما للجميع، أنَّهما ادعيا اليتم، وأنَّه تم اكتشاف كذبهما، وأنَّ الكذاب حتمًا سيكشفه الله أمام الجميع..
ويدخل أحمد لطفي مزهوًا بنفسه، وكان ينقصه حصان يمتطيه، وهو يهز عصاه الخيزران، ليهوى بها على يدي الصغيرين، حتى تشققتا من قسوة العقاب على ادعاء اليتم، رغم الفقر..
وتحول علي وهدى إلى كائنين منبوذين في الفصل والمدرسة بأسرها..
وكان عليهما أن يخترعا كذبة ضخمة تواري فعلتيهما الصغيرة..وكان ما كان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: