الأحد , يونيو 20 2021

د.حسن حنفي يكتب :نحو تنوير عربى جديد (4)

شروق التنوير.
وبعد هزيمة يونيو 1967 بدأ التنوير العربى مرحلة جديدة فيما يسمى “المشاريع العربية المعاصرة” خاصة فى مصر والمغرب والشام، واستئنافاً للتيارات الرئيسية الثلاثة فى فجر التنوير العربى، وابتداء من بؤرة واحدة. استمر تيار الاصلاح الدينى فى المشاريع العربية المعاصرة التى تبدأ من التراث كمخزون نفسى من أجل إعادة بنائه بحيث يكون دافعاً على التقدم وليس معوقاً للنهضة، إعادة بناء العلوم القديمة، من العقيدة إلى الثورة فى علم الكلام، ومن النقل إلى الابداع فى علوم الحكمة، ومن النص إلى الواقع فى علم أصول الفقه، ومن الفناء إلى البقاء فى علوم التصوف، ومن النقل إلى العقل فى العلوم النقلية الخمسة، القرآن والحديث والتفسير والسيرة والفقه.
وقد يكون التراث بنية عقلية كما هو الحال فى مشروع “نقد العقل العربى” تتحقق فى التاريخ. فلا فرق بين البنية والتكوين. وهى بنية ثلاثية من البيان إلى العرفان إلى البرهان فى “بنية العقل العربى” كأنماط مثالية للتفكير. ساد النمطان الأولان فى المشرق وساد النمط الثالث فى المغرب مما يتطلب قطيعة معرفية بين المشرق والمغرب، بين الغزالى وابن رشد. وهو نفس التحقيب الثلاثى، من البيان (القرنان الأول والثانى) إلى العرفان (القرنان الثالث والرابع) إلى البرهان (القرنان الخامس والسادس). سبب الهزيمة هو النكوص إلى البيان والعرفان، وشرط النصر هو العود إلى البرهان. وهو أشبه بأنواع الأقاويل عند ابن رشد الخطبى والجدلى والبرهانى فى الأول والثالث دون الثانى. وفى “نقد العقل السياسى” يظهر نفس التنميط الثلاثى، من القبيلة إلى العقيدة إلى الغنيمة كباعث على الفتوحات وإقامة الدول.
وإذا كانت البنيوية قد غلبت على مشروع “نقد العقل العربى” فان الماركسية قد غلبت على مشروع “من التراث إلى الثورة”، مشروع رؤية جديدة للفكر العربى فى العصر الوسيط، منذ بداياته حتى المرحلة المعاصره فى اثنى عشر جزءاً منذ الحضارة العربية قبل الإسلام، الفكر العربى فى بواكيره وآفاقه الأولى. فالتراث تاريخ، والمنهج تاريخى اجتماعى وليس حيا فى قلوب الناس، حفريات ميتة، ليس له خصوصية ينفرد بها. بل هو حلقة بين اليونان القديم والغرب الحديث. يتنازعه التياران المثالى والمادى كما هو الحال فى الفلسفة الغربية. حمل المثالية المتكلمون أشياع أفلاطون، وانتسب إلى المادية الفلاسفة اتباع أرسطو. ولا يصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أولها عند اليونان والغرب؟، عند أرسطو وماركس، لا فرق بين سلفية دينية وسلفية ماركسية.
واستمر التيار الليبرالى القديم فى شروق جديد يؤسسها فى العقل “الجوانى” كما هو الحال عند عثمان أمين فى “الجوانية” أو العقل الدينى عند أبو ريدة أو العقل الرشدى عند محمود قاسم أو العقل الأخلاقى المعتدل المتوسط المتوازن عند توفيق الطويل. وينحسر التنوير فى العقل فى الجانب المعرفى الخالص بعيداً عن الدولة التى كانت تتبنى القومية والاشتراكية العربية كأيدلوجية رسمية بعد الليبرالية التى سادت قبل الثورة. فظل تنوير النخبة أسوة بما كان الحال فى بداية التنوير العربى.
واستمر التيار العلمى العلمانى عند زكى نجيب محمود الذى يمتد عبر الفترتين فى التنوير العربى، الغسق والشروق فى آن واحد. العقل للعلم، والوجدان للدين، والفلسفة أقرب إلى تحليل اللغة أى أنها أقرب إلى الفلسفة العلمية. كما ظهرت أهمية اللغة وعلم اللسانيات عند محمد أركون، وتحليل الخطاب وآليات التأويل عند نصر حامد أبو زيد. وقد يأخذ العلم معنى فلسفة العلم أى البداية بإدراك الطبيعة وتصور العالم الخارجى. فالعصر عصر العلم كما كان عصر القدماء عصر الحكمة. واشتغل لفيف من الباحثين بتاريخ العلوم عند العرب، العلوم الرياضية والطبيعية لهذا السبب. فمن يملك العلم يملك المعرفة والقوة. ويظهر هذا التيار أيضاً فى التحليل التاريخى للحضارة العربية الإسلامية، تاريخ الثقافة مثل “مشروع رؤية للفلسفة العربية فى العصر الوسيط” عند الطيب تيزينى أو التاريخ الاجتماعى والسياسى عند محمد جابر الانصارى. ومن نفس التيار أيضاً مشروع حسين مروة “النزعات المادية فى الفلسفة العربية الإسلامية”.
ومحددات المشاريع العربية المعاصرة هى قراءة الموروث من منظور الوافد، وتبنى منهجاً أو مذهباً غربياً واستعماله فى دراسة الموروث دون تحليل هذا الموروث بآلياته الخاصة وفى حركته التى نشأ منها وتكلس فيها. تظهر البنيوية منهجاً فى مشروع “نقد العقل العربى” للجابرى, كما تظهر الماركسية منهجاً وفلسفة فى مشروع “الأيديولوجية العربية المعاصرة” للعروى، وفى “مشروع رؤية جديدة للفكر العربى فى العصر الوسيط “للطيب يتزينى”، وفى “النزعات المادية” لحسين مروة و”نقد الفكر الدينى” لصادق جلال العظم”، و”معركة التراث” لمحمود أمين العالم، واجتهاد الياس مرقص للبداية من “الواقع” وفى “سوسيولوجيا الفكر الاسلامى” لمحمود اسماعيل. ويتم تبنى المنهج التحليلى والوضعية المنطقية فى تجديد الفكر العربى” لزكى نجيب محمود فى كل مجموعاته الصحفية التالية بعد أن يتبناها منهجاً وفلسفة فى “المنطق الوضعى” و”خرافة الميتافيزيقا” و”نحو فلسفة علمية”. ويطبق المنهج الظاهرياتى فى “الثابت والمتحول” لأدونيس وإلى حد ما فى “الزمان الوجودى” لعبد الرحمن بدوى، وفى سلسلة “مشكلات فلسفية” لزكريا إبراهيم. ويقال إن مشروع “التراث والتجديد، يقع فى هذا النوع.
وقد تستعار مذاهب الفلسفة الغربية كما تستعار مناهجها. إذ يتبنى المفكر مذهباً أعجب به أثناء دراساته الأولى فى الخارج أو الداخل. وبعد أن عرض وألف فيه ولم ينل حظاً من التمدد والانتشار فى ثقافة هو غريب عليها يعاد تكييفه وتطعيمه بمادة موروثة. وتوضع بعد اسم المذهب صفتاً “عربية” أو”إسلامية”، مثل “الشخصانية الإسلامية” لمحمد عزيز لحبابى، “الماركسية العربية” لعبد الله العروى “الوجودية العربية” أو “الإنسانية العربية” لعبد الرحمن بدوى.
ويمكن للشروق الجديد أن يأتى من الموروث وكرد فعل على الشروق الآتى من الوافد. فيظهر الرشديون الجدد أو المعتزلة الجدد أو السلفيون الجدد من أجل النهوض من جديد ابتداء من الموروث وليس من الوافد، من فلسفات مزدهرة فى الماضى وبعثها من جديد. فإذا كان الواقع فى حاجة إلى عقل لجأ المفكرون إلى الاعتزال وابن رشد. وإذا كان فى حاجة إلى ثورة لجأ المفكرون إلى السلفيين الذين قاوموا الغارات على العالم الاسلامى من الخارج مثل ابن تيمية والعزيز بن عبد السلام. وإذا كانوا فى حاجة إلى الدفاع عن المصالح المرسلة لجأوا إلى مالك.
ومع ذلك ظلت هذه المشاريع العربية المعاصرة نخبوية، من صنع أفراد وليست حركات شعبية عامة من صنع جماهير. فارتبطت بأسماء أصحابها كما ارتبطت المذاهب الفلسفية الغربية بأسماء أصحابها مثل الديكارتية والاسبينوزية والكانطية والهيجلية والبرجسونية، وكما ارتبطت بعض اسماء الفرق الكلامية القديمة بأسماء أصحابها مثل الأشعرية والجاحظية والنجارية والعلوية والنصيرية والواصلية، وكذلك أسماء المذاهب الفقهية الأربعة مثل المالكية والحنيفية والشافعية والحنبلية وكما عرض الفارابى من قبل فى كيفية اشتقاق أسماء المذاهب الفلسفية فى “فى ما يجب معرفته قبل تعلم الفلسفة”.
ولم تستطع المشاريع العربية المعاصرة أن توقف مسلسل الانهيار العربى بالاعتراف بالعدو الصهيونى والأرض ما زالت محتلة، والتحالف مع الاستعمار، فأصبح عدو الأمس صديق اليوم، ومحاربة المسلم لأخيه المسلم فى حرب الخليج الأولى، والعربى لأخيه العربى فى حرب الخليج الثانية. لم تستطع إيقاف الحرب الأهلية فى لبنان والجزائر، ولا حل نزعات الحدود بين الأقطار العربية. لم تستطع منع التشرذم والتجزئة والقطرية للعرب فى عصر التجمع والعولمة للغرب. لم تقو على درأ مخاطر تقسيم السودان وحصار العراق وليبيا وتهديد إيران وتهميش مصر. وقفت عاجزة عن عقد حوار وطنى بين الفريقين المتخاصمين، الاخوة الأعداء، السلفيين والعلمانيين، تمثيل إلى هذا الفريق مرة وإلى هذا الفريق مرة أخرى. لم تستطيع أن تساهم فى وضع رؤية جديدة توقف انهيار ارادة الصمود، وتفكك الأوطان، وهجرة المواطن إما إلى الخارج إلى بلاد الشمال أو الغرب حيث التقدم والعمل والغنى والثورة، وإما إلى أسفل فى عوالم ما تحت الأرض، جماعات العنف الدينى أو المخدرات وعبادة الشيطان، وإما إلى الداخل فى الحزن أو الاحباط أو اليأس ثم الموت غما وكمدا بالأزمات القلبية مثل حالة الشعراء والأدباء. لم تستطع أن تؤسس حركة مفكرين أحرار تستأنف دور الضباط الأحرار على مستوى الفكر حتى تثور الجماهير وتستولى على رموز المعتقلات والسجون كما استولت جماهير باريس على الباستيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: