الأحد , يونيو 20 2021

د.حسن حنفي يكتب :نحو تنوير عربى جديد (5)

ضحى التنوير:
والآن، هل يمكن تطوير شروق التنوير الجديد الممثل فى المشاريع العربية المعاصرة بعد هزيمة يونيو 1967 إلى “ضحى التنوير” من أجل الاعداد لنهضة عربية ثانية بعد أن اكتملت النهضة العربية الأولى دورتها على مدى قرنين من الزمان، التاسع عشر والعشرين ونحن على أعتاب قرن جديد؟
قد يمكن ذلك عن طريق التعلم من التجارب الماضية، استعادة المناهج أو المذاهب الغربية الجاهزة والمعدة سلفاً وإخراجها من بيئتها التى نشأت فيها وزرعها أو استخدامها فى بيئة أخرى غريبة عليها مما يحدث ازدواجية فى الثقافة بين الوافد والموروث إلى حد الصراع بينهما. فالفعل يؤدى إلى رد الفعل، والتغريب يؤدى إلى السلفية، والقفز على الحاضر إلى المستقبل يؤدى إلى القفز على الحاضر إلى الماضى .
وإذا كانت التجارب الماضية قد انتهت إلى صعوبة التحديث من الخارج باستعادة المناهج أو المذاهب الغربية فإن ضحى التنوير يمكن أن يستمر بالتحديث من الداخل عن طريق إعادة بناء الموروث كله، أى العلوم القديمة وبآلياته الخاصة بناء على التحديات الرئيسية للعصر فيتم تحويل علم الكلام من الأشعرية إلى الاعتزال كما حاول محمد عبده فى “رسالة التوحيد”، ومن الاعتزال إلى الثورة كما حاولنا فى “من العقيدة إلى الثورة” حتى تتحول العقيدة إلى أيديولوجية ثورية للعرب وللمسلمين، والتحول من الإنسان الكامل فى نظرية الذات والصفات والأفعال إلى الإنسان المتعين الحر العاقل دفاعاً عن حقوق الإنسان، ومن التاريخ العام إلى التاريخ المتعين، من الماضى والمستقبل فى النبوة والمعاد إلى الحاضر فى علاقة الفرد بالدولة والمواطن بالوطن، لحاقاً بلاهوت التحرير الذى أصبح يقوم بدور الأيديولوجية السياسية للشعوب التراثية التى مازالت متواصلة مع التراث لم تقطع منه كما قطع الغرب ولم تغلقه وتحجره فى الحياة الخاصة منفصلا عن الحياة العامة كما فعل الشرق.
ويمكن إعادة بناء علوم الحكمة ليس بالضرورة فى اللحظة التاريخية الأولى القديمة مع اليونان والرومان غرباً وفارس والهند شرقاً بل مع اللحظة التاريخية الغربية الحالية. فالغرب الحديث وريث اليونان القديم. فإذا كانت علوم الحكمة القديمة ثلاثية المنطق والطبيعيات والالهيات، والانسانيات موزعة بين الطبيعيات والالهيات كحلقة وصل، البدن فى الطبيعيات والنفس فى الالهيات، فإنه يمكن إبراز الانسانيات وجعلها هى محور علوم الحكمة، وتحويل المنطق من منطق صورى إلى منطق شعورى، والطبيعيات من طبيعيات ثنائية عقلية إلى طبيعيات شعرية، والالهيات من واجب الوجود إلى ممكن الوجود من أجل التحقق والفعل وفلسفة جديدة للتاريخ.
ويمكن إعادة بناء علوم التصوف بحيث يتحول من مقاومة سلبية إلى الداخل إلى مقاومة فعلية فى الخارج، ومن استشهاد أئمة آل البيت أيام الفتنة الأولى إلى نجاح المقاومة فى جنوب لبنان. ومن ثم تتحول المقامات من الرضا والتوكل والزهد والتوبة إلى مقامات المقاومة من رفض وثورة وتمرد وعصيان واعتراض ومواجهة. كمما تتحول الأحوال من الخوف والخشية والغيبة والفناء إلى أحوال الشجاعة والثقة بالنفس واليقظة والبقاء. ويتحول الطريق من البعد الرأسى من أدنى إلى أعلى إلى البعد الأفقى، من الخلف إلى الأمام، للمساهمة فى تقدم التاريخ، وأسراع إيقاع حركته كمما حاول محمد إقبال من قبل.
ويمكن إعادة بناء علم أصول الفقه من النص إلى الواقع، وإعطاء الأولوية للواقع على النص تماشياً مع روح “أسباب النزول”، أولوية المكان، و”الناسخ والمنسوخ”، أولوية الزمان، ومن ثم تكون أولوية ترتيب المصادر من الاجتهاد إلى الاجماع إلى الحديث إلى القرآن، صعوداً من الخاص إلى العام، وليس نزولاً من العام إلى الخاص لتشجيع الاجتهاد، والتعامل مع الواقع مباشرة دون التوسط بالنص. ويمكن تحويل المبادئ اللغوية، الحقيقة والمجاز، الظاهر والمؤول، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه إلى تحريك للشريعة من المحافظين إلى الاصلاحيين، ومن التقليد إلى الاجتهاد، تأكيداً على الحرية والطبيعة. كما يمكن تحويل مقاصد الشريعة الكلية إلى الأهداف العامة وحقوق الإنسان الفردية والاجتماعية التى من أجلها ثم وضع الشريعة ابتداء، المحافظة على الحياة (النفس)، والعقل، والحقيقة (الدين)، والعرض أى الكرامة الوطنية، والمال أى ثروات الأمم ضد التبديد والاسراف والتهريب والاكتناز والبذخ. كما أن تطبيق العقوبات لا يتأتى إلا بعد معرفة السبب والشرط والمانع. فلا تقطع يد سارق عن جوع أو بطالة أو مرض أو عندما يكون المجتمع كله سارقاً، الغنى قبل الفقير، والحاكم قبل المحكوم.
ويمكن إعادة بناء العلوم النقلية كلها التى مازالت لها الفاعلية الأولى فى الثقافة الشعبية وأجهزة الاعلام ومواد التربية فى الجامعات الدينية، القرآن والحديث والتفسير والسيرة والفقه، والتحول من التفسير الطولى، من سورة البقرة حتى سورة الناس إلى التفسير الموضوعى لوضع أسس الأيديولوجية الإسلامية حول موضوعات السياسة والاقتصاد والاجتماع والقانون، وإبراز موضوعى “أسباب النزول” و”الناسخ والمنسوخ” من علوم القرآن أى أولوية المكان والزمان فى الوحى، أولوية الواقع على الفكر، والتحول من نقد السند إلى نقد المتن فى علم الحديث، ومن الشخص إلى القول فى علم السيرة، ومن فقه العبيد والنساء والصيد والذبائح والغنائم إلى فقه المقاومة والتنمية والاستقلال والتقدم والعدالة الاجتماعية المساواة والحرية والديمقراطية.
ونظراً لأن الحالة الراهنة للثقافة العربية مازالت ازدواجية الموروث والوافد، وقراءة الموروث من خلال الوافد، والبداية بالوافد على أنه الحديث، وبالموروث على أنه القديم، فى جدل زائف بين الصواب والخطأ، المتقدم والمتخلف وعدم تكرار التجربة الماضية لصياغة ماركسية عربية، ووجودية عربية، وشخصانية إسلامية، يمكن التحول كلية فى الموقف من الغرب، من مصدر للعلم إلى موضوع للعلم حتى لا يكون الغرب هو المعيار المطلق تقاس به كل الثقافات البشرية، وبالتالى يمكن التحرر من جذب الآخر، ومن الانتقال من سيد إلى سيد، ومن قيد إلى قيد، ومن نقل القدماء إلى نقل المحدثين. فتتحقق وحدة الثقافة الوطنية، بدلاً من الانبهار بالغرب، الذى يولد ظاهرة التغريب أو رد الفعل عليه فى العودة إلى الأصول فتشتد الحركة السلفية. ومن ثم يمكن القضاء على أسطورة الثقافة العالمية التى على كل الثقافات احتذاء حذوها، وإثبات أنها ثقافة تاريخية مثل باقى الثقافات، لها مصادرها وبدايتها وتطورها ونهايتها وظروف تكوينها. إثبات تاريخية الثقافة الغربية لفسح المجال لعقد حوار متكافئ بين الثقافات، وتجاوز العلاقة المركز بالأطراف، الغرب باللاغرب، المعلم بالتلميذ، والتحول من نقل العلم إلى إبداع العلم.
ويمكن ايضاً لضحى التنوير أن يقترب ويتسارع بتجاوز موضوع إعادة بناء الموروث القديم أو أخذ موقف مستقل من الوافد الجديد بالتنظير المباشر للواقع والتفاعل مع تحدياته مباشرة دون توسط نص من القدماء أو نص من المحدثين، وكتابة نص جديد فى ظروف العصر كما كتبه القدماء والمحدثون فى ظروف عصورهم. لا يقتصر ضحى التنوير على التعامل مع النصوص المدونة بل يتجاوزه إلى إبداع النصوص الجديدة التى تدون ظروف العصر الجديد حتى يتعود الفكر العربى فى مرحلته الراهنة على التعامل مع الحاضر مباشرة دون قراءته فى الماضى أو قراءته فى المستقبل. يتعود المفكر على الغوص فى الحاضر، وسبر مكوناته، ورصد امكانياته، والدخول فيه كجزء من حركته كى تتم المعرفة به وتغييره. فالمعرفة سلوك، والسلوك معرفة.
يحتاج ضحى التنوير إلى نظرية فى تحرير الأرض، وحرية المواطن، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوحيد الأمة، والدفاع عن الهوية، والتنمية المستقلة، وحشد الجماهير أى إلى أيديولوجية عربية معاصرة تتحقق فيها وحدة الثقافة العربية وتفاعلها مع الواقع العربى المعاصر. فعالم الأشياء هو المصب النهائى للغات والمدونات والتأويلات. والتاريخ هو فى النهاية ميدان التحقق لكل شئ، للمعرفة والوجود، وللنظر والعمل فيصبح الماضى جزءاً من عمل الحاضر وتراكمه، ويصبح المستقبل قريب المنال بالوصول إليه انطلاقاً من الحاضر وليس قفزاً عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: