الخميس , يوليو 29 2021

أسطورة ضائعة الأديب الشاعر العراقي أمين جياد

أسطورة ضائعة

أمين جياد

الأنامل السحرية التي حركت أغصان الشجرة السامقة ,
لم تكن تعلم إنَّ أوراقها تحمل كل منها قصة اعوام لا تنتهي ,
ولم تكن تعلم إنَّ الضوء المنبعث منها , سيغطِّي البحار والصحارى وقمم الجبال الملوَّنة التي تبهر الأبصار ,
هكذا في لمح البصر انفجرت الينابيع القريبة من الشجرة وتكسرت الغصون اليابسة التي عبثت بها الرياح لعشرات الأعوام ,
وفي لحظة واحدة , كأنَّها العمر كله ,
سالت الحروف والكلمات ,
وأخذت مداها حتى وصلت السماء وتلقفتها الغيوم المنتشرة عبر البصر ,
وكأنَّ يدَ ندَّافِ وزَّعها بأوتاره الموسيقية التي تشبه القيثارة البابلية , في كل مكان ,
ومن الجذور الضخمة في أعماق الأرض , انبعثت أصوات ورعود وعواصف وبريق ,
وخلت نفسي العاصفة التي أجَّجت هذه الجذور ,
حتى أني سمعت ازيز الرعد وزحزحة الغيوم وأنين الغابة ,
في لجج تتكور بين أصابعي ,
وأحجار الياقوت والزبرجد يلفُّني إلى القاع , هذه اللجج دفعتني دفعاً إلى المجهول ,
ورأيتني أطير بجناحي اللؤلؤين الكبيرين , على أفق النهاية الوردية ,
وحينما نظرت إلى الشجرة كانت روحي دخان ينبعث كهيئة الطير و يتوزَّع في الارجاء الباهرة ,
حينها تساءلت : ما هذا الذي يمسكني وأنا أطير ,
هل هي العَظَمة التي ألقتني في مداراتها ,
وبقيت أدور ؟……..
ها هي الكلمات تتسابق كالغيوم , لتكمل اسطورة الشجرة السحرية التي توزعت بين ثنايا الرياح مثل النجوم ,
لتكتب الألق النابت بين دمي ,
وكيف أسأل هذا الذي يسحبني إلى المجهول طالبا أن أضع أحجاري المقدسة على ناصية الطريق التي أضاءت اقماري ,
هذه الطريق التي ضيعت قدمي وضيعت لهفتي المؤجلة , وكلٌ في كلّك يسعى إلى ان يهرب للمجهول ,
وطفقت اسأل : لماذا …لماذا … ؟
فأوقعني السؤال إلى درب لا ينتهي ,
لماذا تركت الأمين وحيداً ,
لا زهرة ترتجيه ,
ولا دمعة تصطفيه ,
وكل أخوتي ينهضون ,
وكل الشوارع ضيقة بالأمين ,
أخيط على جبهتي حلم طفل عنيد وشيخ جريج ,
فللدمع سلوى ,
وللشهوة عندي رتاج الأحبة ,
فالكُون في منتهاه ,
وشأني مقام ,
يصعد … يصعد … نحو هذي السماء ،
ليس لي لجَّة البحر ,
وليس لي شُهب النجوم ,
وليس لي عشق الملوك ,
وليس لي نظرة الصقر ,
وليس لي زلزلة الأرض ,
وليس لي وَجْد المتصوفة ,
وليس لي دفة السفينة ,
وليس لي صليب المسيح ,
وليس لي جناح البُراق ,
وليس لي ترنيمة الأم ,
وليس لي بعد الكواكب ,
وليس لي زهرة النرجس ,
وليس لي عطر التفاح ,
وليس لي كلام النمل ,
وليس لي وردة الحلَّاج ,
وليس لي شجرة الجنة ,
وليس لي طير سليمان الحكيم ,
وليس لي عشبة كلكامش ,
وليس لي قوة ذي القرنين ,
وليس لي جمال يوسف ,
وليس لي كل هذا ,
فأنا من ليس على ليس في ليس الى ليس وصرت المرآة الكبرى .
1-5-2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: