الثلاثاء , أغسطس 3 2021

السقا مات بين فلسفة الموت و رمزية الحياة: بقلم أشرف الريس

هذا الفيلم يا عزيزى القارئ يُعد من وجهة نظرى بمثابة ترجمة واقعية لأهم الأعمال الروائية لأديبنا الكبير يوسف السباعى و الذى آراد كاتب هذه السُطور إلقاء الضوء عليها فى ذكرى ميلاده العطرة و ذلك بعدما تطرق أديبنا الكبير فيها لقصةٍ رمزية عن علاقة الإنسان بالموت و ما يترُكه من أثرٍ فى النفسِ لا سيّما إذا كان الميت قريباً أو حبيباً و التى صنفها النقّاد « رواية السقا مات » كإحدى روائع الأدب المِصرى بما تميّزت به من حِكمة و تَبَصُرٍ فى الحياة و شؤونِها …
و قد ازدادت الرواية أهميةَّ و شغفاً و روعةَّ مع تصَدّى السينارست الرائع ” مُحسن زايد ” و المُخرج المُبدع ” صلاح أبو سيف ” بعد إخراجها فى عملٍ سينمائىٍ برعاية و إنتاج المُخرج البارز ” يوسف شاهين ” و مع اختيارٍ موفّقٍ لطاقم التمثيل المُكون من ” فريد شوقى ” بدور ( شحاتة ) و ” عزّت العلايلى ” بدور ( شوشة السقا ) و ” شويكار ” بدور ( عزيزة ) و ” أمينة رزق ” ( حماة شوشة ) و ” ناهد جبر ” ( الزوجة المُتوفاة أمينة ) و ” تحية كاريوكا  ” بدور ( المعلّمة ) و الطفل ” شريف صلاح الدين ” بدور ( سيّد ابن شوشة ) …
و كسائر أفلام الحياة الشعبية المِصرية تدور الأحداث عام 1921م فى حىٍ شبه مُغلق اسمه < حى الحسينية > يَتَزوّد أهلُه بالماء وفق نظام توزيع حُكومى حيث كلّ صباح تجتمع النِسوة و « السقاؤون » للتزوّد بالماء من الصنبور الحُكومى الذى يعمل عليه موظّف جلف و شرير يعاملهم مُعاملة قاسية لمُجرد أنه يفتح و يغلق الصنبور ! …
كما يعمل عزت العلايلى على توزيع الماء بالقُرب من المنازل المُجاورة بما فى ذلك القصر أو الفيلا الكبيرة التى تعرّف فيها على زوجته أمينة فتزوجا و لكنها فى ظلّ تلك الظروف الصعبة العَصيبة تموت أثناء الولادة بعد أن تُنجب له فلذة كبده الوحيد ” سيّد ” و بمقدارِ ما تبدو الأحداث واقعية فى الحى حيث المآذن ترفعُ اسم الله و يستيقظُ الناس للوضوء و الصلاة و تناول الفُطور قبل الانطلاق إلى العمل و من خلال دور شوشة السقا فى توزيع الماء تكشف الكاميرا جانباً من العِلاقات الإجتماعية لأسر و مُجتمع الحى إلاّ أنّ ما استعرضناه للتوّ هو السطح الظاهر للعِلاقات و الأشياء التى عَبَرَ تشابكاتها المُختلفة ستؤسس البنية العامّة للعمل و التى ستبدو لنا رمزية و تنطوى على دلالاتٍ تبتعد كثيراً عن الظاهر …
فبداية من ذلك العنوان الإخبارى لإسم الفيلم « السقّا مات » بما تستنبطه العِبارة من تضادٍ ما بين الرى كفعل إحيائى و الموت من خلال الشخصيتين الأساسيتين ” شوشة ” ( السقّاء ) و ” شحاتة ” ( الحانوتى المطيباتى ) فالأوّل يوزع المياه و لكنه نموذج للكائن الميت لا الحى حيثُ أنه مُنذ وفاة زوجته يعيش بالخيال معها و لم ينقطع لحظة عن تذكّرها و بالتالى لا يأبه للعالم من حوله و لا يُفكّر مُطلقا بالنساء بالرغم من أنه يبدو محبوباً دائماً ! و مُعظم الروايات العالمية التى تناولت لحظة المفارقة من موت الحبيب و أثره فى الشخصية كثيرة و نُذكر منها رواية « الجهل » لـ ( ميلان كونديرا ) حيث يُتابع القارئ ” جوزيف ” ذلك الطبيب البيطرى الذى ماتت زوجته و لكنه ظلّ وفياً لها بل إنه قرر ألاّ يدعها تدخُل دائرة النسيان فاختار أن يُعايشها و كأنها لم تغب عنه فها هو كلّ يوم يستعيد تفاصيل حياته معها فيعايشها و يُسامرها بين الحين و الآخر كما لو كانت حيّة تُرزق ! …
أما شحاته الحانوتى أو المطيّباتى الذى هبط إلى الحى و إلى عالم شوشة السقّا المُغلق سيبدو لنا بمثابة الوجه الآخر للسقاء شوشه فهو بالرغم أنه يتَعَيّشَ من مِهنة دفن الموتى و يُعايش الموت كلّ يوم لكنه لا يخافه مُطلقاً ! فنراه يُسارع إلى الملّذات و يعيش حياة وجودية خالصة و كأن الكاتب يتوغّل بعيداً فى ثنائية الموت و الحياة حيثُ الموت الذى شَغَلَ الإنسان مُنذ بداية وجوده و لا سيّما فى تُراث و طُقوس الفرعون المصرى …
و تبدو المُفارقة فى الفيلم يا قارئى العزيز أن شحاته الحانوتى هو الذى يموت لنتساءل عن معنى هذا الموت ؟ لأن العُنوان يشير إلى موت السقاء لا الحانوتى ! و يبقى هذا الإنطباع حتّى اللحظة الأخيرة من الفيلم و لكن صلاح أبو سيف لا يدفع به للموت ليأتى السؤال المُلِحْ فهل يريد صلاح أبو سيف أن يقول لنا إن شوشة السقا مُتوفى مُنذ فترة طويلة و أنّ المقصود بالسقّا هو شحاته الحانوتى الذى تفلسف كثيراً حول الموت و تحدّاه مِراراً و مات و هو فى عزّ تألقه و نشوته و انشراحه و بذلك فإنه هو ( السقا ) الذى يسعد أرواح الناس و يشحذ فيهم الأمل و الرغبة فى الحياة و هو ما فعله فى حواراته الطويلة مع شوشة السقّا الذى استجاب أخيراً و غادر موته بخطوة واحدة نحو الحياة و ذلك بعزمِه على الزواج مُجدداً من بنت الجيران التى تودّه و ترغب به زوجاً و هو أمر قابل للتأويل فى الاتجاه الذى ذهبنا إليه بالنسبة لرؤية صلاح أبو سيف غير أن رؤية السباعى تختلف وفق زاوية رؤيته بأن الإنسان مرشّح للموت مُنذ ولادته و بالتالى فإن من يخافه أو لا يخافه سيلحق به بدليل أن شحاتة و شوشة قد ماتا …
أما شجرة « التمر حنة » فهى الرمز الضارب فى الوجدان الشعبى كشجرة مُباركة من أشجار الجنّة و فوائدها التزيينية و ديمومة خُضرتها تتموضع بدورها فى المكانة ذاتها بالنسبة لشوشه السقا و هو يَسقيها الماء كلّ يوم كى تبقى حيّة أو شاهداً على ديمومة الحياة فى خضرتها و عُطورها مثلها مثل نجله ” سيّد ” ذلك الطفل الصغير رمز الجيل المُقبل الذى سيواصل عملية الفعل الإحيائى عَبْرْ الماء الذى هو سرّ الحياة …
مثّلت الفنانة ناهد جبر دور الزوجة بأداء مُحبب و لطيف تكامل مع دور عزّت العلايلى بأدائه الصادق كمُحبّ و أب حنون و كذلك وحش الشاشة فريد شوقى الذى يعتقد كاتب السُطور أنه قدّم دوراً قلّما شاهدنا مثيلاً له فى تاريخه السينمائى بأكمله و مع ذلك كان الفنان عزّت العلايلى ندّاً يستحقّ أداؤه الإشارة و التنويه لجُملة المواقف المُتناقضة التى أدّاها …
كما قدّمت الشخصيات المُساندة أفضل أدوارها أيضاً على رأسهم العِملاقة ” أمينة رزق ” فى دور الحماة الضَريرة و كذلك الفنان ” شريف صلاح الدين ” فى دور الطفل سيّد و الذى قدّم دوراً لا يُمكن نسيانه فضلاً عن مَدى حُضور الفنانة ” تحية كاريوكا ” بدور المعلّمة و ” شويكار ” و سائر فريق العرض من فنيين ساهموا جميعاً بتقديم هذه التحفة الرائعة بتوقيع المُبدع صلاح أبو سيف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: