الخميس , يوليو 29 2021

قيم تربوية في قصة الفداء.!: محمود محمد زيتون / مصر

قيم تربوية في قصة الفداء.!
مازلت أشعر أن شجرة عمري تقاوم زحف الخريف إلى أوراقها ، وأن جذور رسالتي التربوية تتغلغل بين حبيبات تربة التحدي ، باحثة عن ماء الحياة، مثلما تنفذ جذور النخيل في أعماق التربة؛ لتأتي بالنماء لطلعها النضيد.!
فهذه رسالتي كمعلم ومرب تسكن القلب ، وتستوطن الروح وتسري في الوريد والشريان
وتمضي نحو غايتها في محياي وحتي يأتيني اليقين .!
عسى ربي أن يرزقني بها عملٱ لا ينقطع بعد مماتي من ولد صالح يدعو لي ، أو علم ينتفع به، أو بالاثنين معٱ.!
ومن أجمل وأعذب ما كان يجمعني بتلاميذي داخل حجرات الدراسة ، أو من خلال الإذاعة المدرسية،تلك الأحاديث عن قصة فداء إسماعيل عليه السلام ، وما بها من قيم تربوية ودروس عملية..
في قصة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام – نجد أنها تحمل كثيرٱ من القيم التربوية النبيلة والعظات البليغة.
فإبراهيم عليه السلام كبرت سنه وبلغ مبلغ الشيخوخة،ولأنه يعلم أن عطاء الله على قدره سبحانه ، كان لسانه يلهج بالدعاء ، بأن يرزقه الله بغلام . فأتته البشرى بالغلام ، ولكنه ليس كأي غلام .. إنه غلام حليم ، وتحقق عطاء الله بأن يكون هذا الغلام من هاجر المصرية ؛ ليفيض عطاء الله للبشرية من أم مصرية،تدفق ماء زمزم تكريمٱ لها وليدها الذي حمل العرب لغتهم من لسانه..لسان إسماعيل الذي وصفه رب العزة بأنه “كان صادق الوعد وكان رسولٱ نبيٱ “.
وتمر الأيام والسنون ، ويشتد عود إسماعيل وهو بين أحضان أمه في واد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم ، وكان إبراهيم عليه السلام يأتي إلى الحجاز ليقضي أيامٱ مع زوجه وابنه. فلما اشتد عود إسماعيل وتجاوز العاشرة من عمره ، وصار يمكن الاعتماد عليه ، وتعلقت به نفس الأب غاية التعلق ، إذا بأمر الله يأتيه ، فيرى في المنام أنه يذبحه ، وتأتي الآية محكمة ملزمة بهذا الأمر الجلل الذي تنخلع له القلوب :
“إني أرى في المنام أني أذبحك”
أرى..وليس رأيت ؛ لأن إبراهيم عليه السلام- كما يقول ابن عباس رضي الله عنهما- رأى ذلك ثلاث ليال متتابعات ،ورؤيا الأنبياء حق ووحي ؛ و لأن الأنبياء لا تنام قلوبهم.!
يأتي الأب إلى ابنه وفلذة كبده فيخبره مناديٱ إياه نداء الرفق والمودة “يا بني ” ، ثم يشركه معه في تنفيذ قرار حاسم- ولا عجب – ، فهو طرف رئيس فيه:
“إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ”
وهنا تتجلى عظمة الأب والابن معٱ .. فالأب أراد أن يشرك ابنه معه لذة الامتثال لأمر الله وحلاوة الرضا بقضائه وقدره.
إنه واثق من بر ابنه واستسلامه وانقياده لأمر الله ، ويعلم علم اليقين مردود هذه التربية الصالحة.. لم يخيب الابن ظن أبيه في أصعب قرار وأشد ابتلاء ، بل كان على قدر هذه الأمانة وذلك الحمل الثقيل.. فأجاب أباه بملء فيه جواب الواثق الثابت :
“يا أبت افعل ما تؤمر ،ستجدني إن شاء الله من الصابرين ” .
إنه على غضاضة سنه ، كان فيه من رصانة الحلم ، وفسحة الصدر ، ما شجعه على احتمال تلك البلية العظيمة.!
إن في الآية الكريمة دروسٱ بليغة في البر وطاعة الوالدين ولو كان الثمن غاليٱ.!
لقد أجاب الابن أباه برفق وتودد : “يا أبت ” ردٱ على خطاب الأب الرفيق من قبل “يا بني ” ، لتتوقف أنفاس الكون وتصغي أذنه ، وتشخص أبصاره أمام روعة هذا المشهد التربوي الفريد . وعندما يقترب من نهايته ، يأتي الفرج حاملٱ البشرى بالنجاة من الذبح والنجاح في الاختبار :
“وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ،إنا كذلك نجزي المحسنين .إن هذا لهو البلاء المبين “.
وفي ختام مشهد الذبح يأتي الفداء، ليؤكد نجاح إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام- في أصعب اختبار وأقسى ابتلاء.!

محمود محمد زيتون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: