الخميس , يوليو 29 2021

محمد العولقي يكتب : الأهلي .. سلطان حاكم زمانه !

* من عايش الربيع الأهلاوي المنتفض والمتجدد في الدار البيضاء، ومن يعرف روح الأهلي وطموحاته الأفريقية سيصل إلى الحقيقة التالية :
ليس غريبا ولا عجيبا أن يكتسح نادي القرنين فريق كايزر تشيفز في النهائي و يعانق نجمته العاشرة وسط طوفان فني و مهاري دفع عشاقه في الوطن العربي الكبير إلى ترديد الهتاف المدوي : دي مش كورة .. دي مزيكا .. لكن الغريب والمريب أن يفقد بطولته المفضلة وهو أكثر الأندية العالمية حضورا وتألقا و إبداعا و إسهاما في ضبط الساعة البيولوجية في أجسادنا ..
* كانت قريحة لاعبي الأهلي في النهائي فياضة، و كرمهم زاد أضعافا على كرم حاتم الطائي، فقد أكدوا للعالم وهم يستقبلون العيد الكبير على مائدة كايزر تشيفز أنهم أصل و فصل حروف هجاء البطولات ، و أنهم بالفعل أجبروا العالم أن ينحاز للكرة الجميلة ذات السهل الممتنع المغلفة بكرنفال فرعوني من الأهداف السينمائية التي لن تجد لها مثيلا إلا على قناة الأهلي ، على حساب الكرة المملة و الباردة التي يقدمها كايزر تشيفز، و إن حملت أحيانا متعة عابرة ..
* للأهلي وسائله الخاصة للوصول إلى منصات التتويج ومعانقة الألقاب، ليس من بينها وسيلة الاستعانة بالعفاريت وجن سليمان ..
* صار الأهلي فريقا للأحلام مرصعا بالنجوم الشابة المتألقة، تضاف لهم بهارات الخبرة كما هو الحال مع قائد الأوركسترا السلطانية (محمد الشناوي)، فريق شامل كامل الدسم يجمع في سلته بين أناقة (التيكي تاكا) و صرامة الانضباط في النواحي التكتيكية والفنية ..
* وعندما أمسك الأهلي بفيروز لقبه العاشر وأخذ يقلبه بين يديه بحس شاعرية (امرئ القيس)، فلأنه امتلك شخصية البطل، شخصية منحته رئة إضافية للتنفس في محيط يطفح بكل مفارقات قارة شرسة يصعب ترويضها، و شحنة حماس متجددة ومتفجرة هي في الأصل لوحة إمتاع ومؤانسة تسر الناظرين ..

* كتب الأهلاوية ملحمتهم العاشرة بتألق لاعبين كانوا نجوما فوق العادة وأبطالا وقت الجد مع مرتبة الشرف، فهم عندما قرروا كتابة تفاصيل العاشرة في سجلات التاريخ، كانوا في الأساس يرفعون من قيمة الكابتن محمود الخطيب رئيس النادي الأسطوري الذي منح الفانلة رقم عشرة حلاوة فوق العادة، و يضعونه مع ناديه في مكانة لا يصل إليها كل متطلع إلا من كان في عظمة تاريخ الأهلي و نبوغ الخطيب ..

* وعندما يتوفر الحد المعقول من الاهتمام والرعاية بأمبراطور و زعيم و ملك و سلطان الكرة الأفريقية و العربية و يبرز التناغم والانسجام بين الإدارة و الأجهزة الفنية و الإدارية، تجد اللاعب الأهلاوي في قمة التجلي والإبداع و التميز الصاخب، وهي حالة خاصة تفاعل معها الجمهور العربي الذي خرج عن بكرة أبيه و أمه راسما لوحة من الإثارة والصخب الإيجابي والحياة الملونة رغم أنف فقاعات كورونا الطبية ..
* و الأهلي الذي خرج من (قمقمه) كالمارد لا يبقي و لا يذر أكد حقيقة الفرق بين فريق يصدر الحزن للشعوب، وآخر يوزع شلالات الفرح على شعوب أخرى كانت مغرمة بزمن الأهلي، و معجبة بتدابير إدارة لا تسمع فيها لاغية، وهو وضع استثتائي خاص يبرر سخاء الإنفاق، ويضع الفواصل والحدود بين فريق ملايين يسعد العباد والبلاد، و فريق ملاليم ينوح في بيت العزاء كما تنوح حمامة أبي فراس الحمداني ..

* استدعى الأهلاوية في ليلة العيد خبرة سابقة مع شروط التفوق، فكانت الحصيلة أن اللاعبين ارتدوا روح المسؤولية ، ثم أطلقوا طاقاتهم الشابة المكبوتة لتحرق كل المسافات والمساحات ..
* اختار الأهلاوية معادلة بسيطة تعتمد على فلسفة ذوبان الكل في واحد، والواحد في الكل، فظهر الوقار التكتيكي على أسلوب الجنوب أفريقي (بيتسو موسيماني)، وبرزت (الرزانة) الفنية في تجليات اللاعبين الانضباطية، وظهرت مهارة الإدارة في احتواء كل طارئ قد يعكر أجواء الفريق في المنعطف الأخير و الخطير ..

* بدأ التجانس والتناغم واضحا بين اللاعبين والإداريين والجهاز الفني، بدليل هذا التركيز العميق الذي مكن اللاعبين في التحكم بإيقاع المباراة و الاستحواذ على الكرة من الألف الى الياء ، و النتيجة أن الأهلي سهل المباراة على نفسه ففاز على كايزر من أقصر الطرق و بثالثة الأثافي و النار الهادئة ..
* كان رد فعل الأهلي في النهائي مفاجئا للجميع عدا الإدارة الفنية التي تعاطت مع المثل (اللي تخاف منه ما يجيش أحسن منه)، وترجمته على أرض الواقع فنا و إبداعا وتألقا أسمع كل من به صمم ..
* سحب الأهلي سجاد التألق من تحت أقدام جميع الفرق الأفريقية في طريقه الواثق نحو العاشرة، بحكم أنه زاوج باقتدار بين الحرص والشجاعة، كما أنه تحلى بالثقة بالنفس فهزم شبح الشك وتجاوز منحدر هزيمة دور المجموعات أمام سيمبا التنزاني التي لم تكن سوى هزيمة مفهوم، لا هزيمة نهج وأسلوب ..

* كان الاهلي هو الفريق الوحيد المقنع في الخلاصة العامة ، خطوط متوازنة ومتماسكة، فنيات هائلة تتحكم في إيقاع اللعب وتحدد منسوبه في نهاية المطاف، قوة، أرقام قياسية في مراقصة الشباك و صناعتها و دعامة فولاذية في الدفاع، وعي شامل بتاريخ الأهلي و روح فانلته، حفظ عن ظهر قلب لمجرى الحمض النووي الأهلاوي المحرك الأول لجينات البطولات الحمراء ..
* في تصوري كمحلل يغوص في بحار الشاكلات أن القوة الحقيقية للاهلي لم تكن في بنائه التكتيكي فقط، ولكنها تكمن في هذا الالتقاء المدهش بين القوة البدنية والطاقة الذهنية، هذا الالتقاء أو التزاوج خلق حالة من التوازن النفسي في مهارات وفرديات اللاعبين، كما مكن المدرب من توظيف قدرات اللاعبين عند التنفيذ بعبقرية يحسد عليها حقا ..
* إنها فلسفة لعب مدرب قارئ جيد لإمكانات لاعبيه، فلسفة مترابطة ومتناسقة تمتد في الملعب من تفعيل قنوات الهجوم، من خلال سرعة الرواقين، وحتى صرامة الدفاع والحارس في التعامل مع جموح الخصوم بثقة لا حدود لها، و يصل منسوبها حد تكامل الأدوار بين احتياط متحفز قادر على تشكيل الإضافة و صناعة الفارق و طموح فريق يؤمن بأنه ملك و زعيم و سلطان الأرقام بلا منازع ..

* ولأن الادارة تدرك أهمية التوازن النفسي والمعنوي للاعبين مع كل مباراة، فقد اقتربت كثيرا من اللاعبين، تناقش همومهم .. تشاركهم تطلعاتهم .. ثم ترسم لهم معالم القادم الأجمل دون الإخلال بمسافة الاحترام بينها وبين اللاعبين ..
* لا تنسوا حقيقة أخرى أكدها الاهلي بالصوت والصورة : عندما يمتلك الفريق مخزون احتياطي بمستوى من يلعب أساسيا، حينها يكون للتغيير معنى وللتبديل مغنى ..

* كما لا يمكن القفز على حقيقة معنوية أخرى تقول : إن المحرك الأول لقوى اللاعبين والشاحن الأهم لبطاريات اللاعبين هو الجمهور الأهلاوي المخلص و الوفي، الجمهور الحضاري الذي أكد لنا بالطول والعرض والارتفاع أنه اللاعب رقم واحد في تشكيلة الأهلي و الملهم الحقيقي لكل هذه التتويجات القياسية ..
* لا شك أن الأهلي يناجي القمر على سطحه، فقد اعتلى القمة على بساط الجدارة والاستحقاق وبات من حقه أن يتمتع بكرنفاله الأحمر فوق أعلى قمة جبل في العالم، وصار على عشاقه الاستئناس بالبطولة العاشرة ، بطولة منحت الأهلي المخيف و المرعب لقبا جديدا، فقدأصبح مع سبق الإصرار والترصد سلطان حاكم زمانه ..!..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: