الخميس , يوليو 29 2021

صفاء بركات تكتب: ذكرياتي في يوم عرفة

عندما يريد الله – سبحانه وتعالى – شيئا تتيسر كل الأمور. 
كانت السنة الأولى لي لعملي بالكويت ، وقد وضعت أهدافا في داخلي للعمل هناك ، ومنها أن أقوم بأداء فريضة الحج متى تيسر ذلك ، وجعلته أول اهتماماتي، وشاءت الظروف أن أعود لمصر بعد قضاء العام وليس معي تجديد العقد ، وعبثا حاولت ممن هم هناك أن يخرجوا لي شهادة بدلا منها ، وعادت زميلتي التي من نفس محافظتي بعدي وحدثتها بلهفة عن ورقة تجديد العقد التي استخرجتها بدلا مني
لكن الكارثة أنها نسيتها هناك في شقتها ، ومرد أهمية تلك الورقة أنني سأسافر وبالتالي في وسط العدد القليل ستتاح لي فرصة الحج أسهل من مصر
لكن هاهو حلمي يتبدد
بكيت وأمي ضارعتين لله ؛ كي أعود أو يُسهل لي أمري بمن يحضر تلك الورقة
وإذا بزميلة تهانفني من هناك تطلب مني خدمة بمصر ، وكأنني وجدت طوق النجاة ، صارحتها برغبتي ، ووصفت لها مكان الورقة بحجرتي التي كانت في سكن حكومي لايمكن كسر الباب نظرا للمسؤولية ، وبعد إلحاح شديد ومفاوضات مع المشرفة تم كسر الباب ؛ لتعود زميلتي بالورقة ؛ مما يتيح لي عودتي وتجدد حلمي في أداء المناسك .
وبالفعل عدت ولكن لأجد اسمي في مكان عمل جديد مع أشخاص لا أعرفهم
وبعد أسبوع من عملي كنت شاردة الذهن ، شهر ذي الحجة يقترب وليس معي مالٌ ، ولا أعرف أحدا ؛ لأستدين منه
نزلت دموعي غزيرة بقدر رغبتي الملحة في الحج
وإذا بزميلة – بارك الله فيها – تقترب مني وتسألني عن سبب كربي
حكيت لها ، فإذا بها تحكي لزميلاتي: يا كريمات هذه أختكن ورغبتها شديدة في الحج ، هل نقوم بعمل جمعية لها وتأخذها هي الأولى ؟
فإن عادت سددت ديونها ، وإن لم تعد فلنسامحها من قلوبنا ليسامحها الله على ذنب ليس لها فيه قدرة
وإذا بالزميلات يسارعن بالاشتراك ، ذهبت لمديرتي لآخذ الموافقة المبدئية على أجازة الحج ، رفضت بشدة ؛ لأنني لم أكمل عامين بوظيفتي وفق القانون ، عاد الضباب يخيم وجهي ، لكن أملي كان في الله كبيرا ، عدت أقنعها وزميلتي الكريمة وكانت محبوبة من الجميع بما فيهم المديرة ، وانتهينا إلى أن آخذ الإجازة بخصم شهر من راتبي – فترة غيابي بالحج – ، لم أتردد وفرحت بتيسير أمري ، ثم أخذتني زميلتي لشركة رحلات الحج لكنهم رفضوا لعدم وجود محرم ، وسني لا يسمح بالسفر بمفردي، ولكن تم حل هذه المشكلة بجعلي أسافر مع عصبة نساء ، عادت الشمس تشرق من جديد ،
ولكن واجهتني مشكلة : إنني قدمت جواز سفري متأخرا ( بعد كل المباحثات السابقة ) وعلىّ الانتظار حتى تأتي موافقة السعودية ، عشت أياما في قلق ، وتوج الله قلبي بفرحة غامرة حين أتت الموافقة قرب السفر .
لم تتخلَ عني تلك الزميلة جميلة الروح وقد احتوتني
و عرفتني مناسك الحج فقد سبقتني منذ سنين ، ثم تجالسني وتطلب مني الإخلاص وصلاح النية والصدق
وتقول لي : اكتبي مع نفسك في ورقة : أهدافك من الحج، ولا تنسي أن تكتبي وصيتك ، خبرت والدي بديني لزميلاتي ، وأعطيته أرقام هواتف بعضهن خشية أن ألقى ربي هناك ولا أسدد ديني ، وسألت دار الإفتاء عن جواز سفري وعليّ دين الجمعية ، فأخبروني بجواز ذلك طالما في نيتي السداد.
فجأة تتسهل كل الأمور
ورغم أن الجميع نبهني ألا يضيّع انبهاري بالكعبة أمنية مستجابة – بإذن الله – إلا أن جمالها سلب عقلي بكرم الله ؛ مما جعلني لا أتذكر شيئا ، ما هذه الروعة ؟! أحقا أنا أمام الكعبة ؟ أحقا أسير على تلك الأرض التي لمسها رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – أحقا أؤدي مناسك الحج ، الله ما أجمل وأعذب ماء زمرم!
ما أصفى النفس وهي تسعى بين الصفا والمروة ! وما أروع رائحة المسك حين لمست الحجر الأسعد !
الطواف حول الكعبة ثم أداء ركعتين ثم الطواف وهكذا
كانت أيام روحانية رائعة
وتخلل ذلك زيارة المسجد النبوي بالمدينة لأرى ونحن بالحافلة مسافة طويلة بين كلا المدينتين ، كيف تحملها رسولنا الكريم وصحبه ؟! ؛ لأدرك عظمة الجهاد
وسط الزحام دخلت الروضة الشريفة ، أمام قبر الرسول الكريم ، لا أدري ماذا أفعل ! حالة نورانية انتابتني وكأني أراه رؤية العين
سجدت شكرا لله ، وصليت ركعتين ، وناجيت أشرف خلق الله وبكيت بخشوع ، سلمت على صاحبيه : أبي بكر وعمر، رجوت أن أظل برحابه ، لكن لم يسمح لنا بغير ركعتين ، خرجت وكأن روحي خطفت مني .

ثم كان يوم عرفة ؛ والوقوف بمنى لنجمع الحصاة وندعو بما شئنا
لقد اهتز كياني و فاضت دموعي وتذكرت بطولات إسلامية مشرفة ، استعدت ما قرأت عن عظماء الصحابة الذين ضحوا بأرواحهم ؛ لاستقرار هذا الدين ، ولكي يتاح لواحدة مثلي أن تأتي إلى هنا لتؤدي مناسكها في أمان ، مكثنا بعرفة بالمساء وحتى مغرب اليوم التالي
ثم كانت أيام التشريق
ورجم إبليس ، وكنت أسمع بلهجات ولغات مختلفة سب إبليس مما أثار ابتسامتي، وكان البعض يجود بحذائه ويضرب به إبليس
وبالطبع قمت بعمل فيلم تسجيلي موثق عن تلك الرحلة
وكتبت قصائد كثيرة عن تلك الحالة الروحانية
وفي الختام ذهبنا لمكة لأداء طواف الوداع
وقد كانت الدموع أيضا غزيرة لكن شتان بين دموع الاستقبال والشوق ودموع الوداع .
وبعد أداء الطواف الأخير كانت هناك حفلة قامت بها الشركة المنظمة، وألقيت فيها بعضا من قصائدي على النساء الحاضرات
ومنحنني عدة جوائز ولكن الجائزة الكبرى هي أدائي الفريضة رغم الصعاب ، واحتفاظي بسيدات فضليات استمرت علاقتي ببعضهن حتى الآن
ولكن للأسف ضاع الفيلم من هاتفي وضاعت القصائد
وبقيت الذكرى في ذاكرتي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: